في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر



المحامي الدكتور محمد بن إبراهيم الزدجالي

قامت الأمم المتحدة بتخصيص يوم 30 يوليو من كل عام يومًا عالميًا لمكافحة الإتجار بالبشر، بهدف تعزيز الوعي بهذه الجريمة وحشد الجهود الدولية للوقاية منها، وملاحقة مرتكبيها، وحماية ضحاياها.
 وهذا العام ٢٠٢٦م يأتي موضوع اليوم العالمي لمكافحة الإتجار بالبشر تحت عنوان «*عالقون في فخ الاحتيال*»، بهدف تسليط الضوء على نمط متطور من أنماط الإتجار بالبشر، تستغل فيه جماعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود الضحايا وتستدرجهم في كثير من الأحيان، عبر إعلانات عمل زائفة، ثم تجبرهم على تنفيذ جرائم وعمليات احتيال تُدار عبر الإنترنت. ويكشف هذا النمط عن تشابك متزايد في قضايا الاتجار بالبشر والأمن السيبراني والاحتيال المالي والفساد وغسيل الأموال، بما يفرض تحديات جديدة على المنظومات القانونية والمؤسسات المعنية بمكافحة هذه الجرائم، ويؤكد الحاجة إلى تطوير التشريعات وتعزيز التعاون الدولي لمواكبة أساليب الجريمة المنظمة المتطورة.

وعند الحديث عن الأرقام والإحصائيات فقد كشف تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) لعام 2024،  أن 74% من المتاجرين بالبشر كانوا يعملون ضمن جماعات أو شبكات إجرامية منظمة، كما رُصدت تدفقات للإتجار بالبشر في 128 دولة وجهة، شملت ضحايا من 162 جنسية مختلفة. وتؤكد هذه المؤشرات أن الإتجار بالبشر جريمة عابرة للحدود تتطلب استجابة قانونية ومؤسسية متكاملة، وتعاونًا دوليًا فعالًا في مجالات الوقاية والملاحقة القضائية وحماية الضحايا.
وتوضح البيانات الدولية حجم تأثير هذه الجريمة على الفئات الأكثر ضعفًا؛ إذ يمثل الأطفال 38% من إجمالي ضحايا الإتجار بالبشر الذين تم اكتشافهم عالميًا، فيما ارتفع عدد الأطفال الذين تم اكتشاف تعرضهم للإتجار بنسبة 31% مقارنة بعام 2019، بما يؤكد الحاجة إلى تعزيز التدابير الوقائية وآليات الحماية القانونية، ولا سيما للفئات الأكثر عرضة للاستغلال.

وعلى المستوى العالمي، أولى المجتمع الدولي مكافحة الاتجار بالبشر اهتمامًا متزايدًا من خلال الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية، وفي مقدمتها بروتوكول الأمم المتحدة لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالبشر. 
أما في سلطنة عُمان، فقد حظي موضوع مكافحة الاتجار بالبشر باهتمام متواصل، انطلاقًا من النهج الراسخ في صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه، حيث انضمت سلطنة عمان بموجب المرسوم السلطاني رقم (46/2020) الصادر في 7 أبريل 2020م، إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يعكس التزامها بحماية الإنسان وتعزيز حقوق الأفراد. 
وفي إطار تطوير المنظومة التشريعية الوطنية، صدر المرسوم السلطاني رقم (78/2025) بإصدار قانون مكافحة الاتجار بالبشر، ليحل محل قانون مكافحة الاتجار بالبشر الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (126/2008)، بهدف تعزيز الإطار القانوني لمواجهة هذه الجريمة، عبر تشديد العقوبات المقررة على مرتكبيها، وتعزيز حماية المجني عليهم، وتنظيم أوجه التعاون الدولي في مجال مكافحة الاتجار بالبشر.

كما أولى القانون الجديد عنايةً خاصة بالمجني عليهم، من خلال توفير الحماية والمساعدة والرعاية اللازمة لهم، وتعريفهم بحقوقهم القانونية، واتخاذ التدابير التي تكفل حمايتهم من الاستغلال أو التعرض لمزيد من الضرر، بما يعكس توجهًا قانونيًا يقوم على تحقيق التوازن بين الردع الجنائي وحماية الضحايا وصون كرامتهم الإنسانية.

وفي السياق ذاته، أولى المشرّع العُماني اهتمامًا بمواجهة استخدام الوسائل التقنية في ارتكاب جريمة الاتجار بالبشر؛ إذ أوضحت المادتان (43) و(45) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (61/2026) تشديد التجريم والعقوبة في الحالات التي تُستخدم فيها الوسائل التقنية والمواقع الإلكترونية والأنظمة المعلوماتية في ارتكاب جرائم الاتجار بالبشر أو تسهيل التعامل بها.

وقبل ذلك تم في عام ٢٠٠٨ إنشاء اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، وفي عام 2025 تم دعمها بمزيد من الكوادر ومنحها كافة الصلاحيات لتقوم بدور محوري في دعم الجهود الوطنية لمواجهة هذه الجريمة، من خلال التنسيق بين الجهات المعنية، ووضع خطط العمل، وتعزيز التوعية والتدريب، ودعم برامج رعاية وتأهيل الضحايا، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات والمنظمات الإقليمية والدولية، بما يسهم في تكامل الجهود الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر.

  إن حماية الإنسان وصون كرامته مسؤولية مشتركة، ومواجهة الاتجار بالبشر ليست مسؤولية جهة بعينها، وإنما واجب تتكامل فيه أدوار مؤسسات الدولة والمجتمع، بما يعزز أمن الإنسان ويحفظ حقوقه وحرياته، وفي اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر، فإن الأمر يقتضي منا جميعًا مواصلة الجهود الوطنية والدولية للتصدي لهذه الجريمة، وتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطرها، وتشجيع الإبلاغ عنها، وتوفير الحماية الفاعلة لضحاياها، مع الاستمرار في تطوير التشريعات والآليات المؤسسية ذات الصلة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z