سُلطان بن خلفان اليحيائي
من نونية الإمام أبي مسلم الرواحي:
يا للرجالِ أقيموا وزنَ قِسطِكمُ
فما لكم قبلَ وزنِ القِسطِ ميزانُ
يا للرجالِ احفظوا أوطانَ ملتكمُ
فما لكم بعدَ خَذلِ الدينِ أوطانُ
يا للرجالِ أفيقوا من سباتِكمُ
فقد أحاطَ بكم بَغيٌ وعدوانُ
هناك كلمات لا يطويها الزمن؛ لأنها لا تخاطب عصرًا بعينه، بل تخاطب ضمير الإنسان في كل زمان. ومن بين تلك الكلمات يبقى نداء الإمام أبي مسلم الرواحي: "يا للرجال" حاضرًا في الوجدان؛ لأنه لم يكن نداءً يبحث عن رجالٍ بأجسادهم، بل عن رجالٍ بمواقفهم، ولم يكن دعوةً إلى التنافس على حظوظ الدنيا، بقدر ما كان دعوةً إلى إقامة العدل، وحفظ الأوطان، واليقظة أمام البغي والعدوان.
ولذلك بقي هذا النداء حيًّا؛ لأن الأمم ما زالت تحتاج في كل عصر إلى من يجيب: لبيك. واليوم، وبعد عقود طويلة من ذلك النداء، يبقى السؤال قائمًا.
ليس: من الذي ينادي؟
فالنداء حاضر في كل مكان.
في حقٍّ ينتظر أن يُنصف، وفي مظلومٍ يبحث عمّن يقف معه، وفي أمانةٍ تنتظر من يحملها بصدق.
غير أن السؤال الأهم: متى سنجيب: لبيك؟
فالرجولة التي يخاطبها الإمام أبو مسلم ليست مظهرًا ولا لقبًا، وليست مرتبطة بميدان دون آخر، وإنما هي موقف يظهر عندما تُختبر القيم، ويختار الإنسان أن يؤدي واجبه، ولو غاب التصفيق وتأخر الثناء.
يا للرجالِ أقيموا وزنَ قسطِكمُ
كان أول نداءٍ حملته النونية إقامة ميزان العدل؛ لأن العدل هو الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات، وتستقيم به الحياة.
ولعل أول من يتقدم لتلبية هذا النداء هو القاضي.
فالقضاء ليس أحكامًا تُكتب، بل أمانة تحفظ الحقوق، وتصون الثقة، وترد المظالم إلى أهلها. والقاضي الذي يجعل الحق فوق كل اعتبار هو رجلٌ أجاب النداء قبل أن ينطق به.
ويمتد هذا المعنى إلى المسؤول الذي يحمل همّ الناس، وإلى كل من أُوكلت إليه مصالح المجتمع. فالمسؤولية لا تُقاس بحجم المنصب، وإنما بقدر ما يتحقق بها من عدل وإنصاف.
فالوطن يحتاج إلى من يرى المنصب تكليفًا لا تشريفًا، وإلى من يدرك أن القرار الذي يتخذه قد يغيّر حياة الناس ومستقبلهم، وأن خدمة الوطن ليست طريقًا إلى المجد الشخصي، بل عهدٌ يُسأل عنه صاحبه.
ومن صور حفظ الأوطان أن يشعر أبناؤها بأن لهم مكانًا في مسيرة البناء، فالشباب الذين ينتظرون فرصتهم في خدمة وطنهم ليسوا أرقامًا في قوائم انتظار، بل طاقاتٌ تحمل أحلامًا وآمالًا تستحق أن تجد طريقها إلى العطاء.
فكم من زهرة شبابٍ تمر بين الانتظار والقلق، وكم من طموحٍ يتأخر بحثًا عن فرصة يبدأ بها الإنسان بناء مستقبله.
وإن من مسؤولية الوطن أن يحفظ لهذه الطاقات أملها، وأن يفتح لها أبواب المشاركة، فالشباب حين يجدون طريقهم إلى العمل والإنتاج يصبحون قوةً تُضاف إلى وطنهم.
فإن كان النداء: "يا للرجال"، فالسؤال: أين لبيك التي تحفظ طاقات الوطن، وتصون أحلام أبنائه؟
يا للرجالِ احفظوا أوطانَ ملتكمُ
فحفظ الأوطان لا يكون بالشعارات فقط، بل بالإخلاص في العمل، وصيانة الأمانة، والوفاء للقيم التي قامت عليها المجتمعات.
ويمتد هذا النداء إلى رجال الأمن والدفاع الذين يحرسون الأوطان، وإلى المعلم الذي يبني العقول، والطبيب والممرض اللذين يخففان الألم، والإعلامي الذي يحفظ أمانة الكلمة، والموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص حتى عندما لا يراه أحد.
فالأوطان لا تنهض بالمشروعات الكبرى وحدها، وإنما تنهض أولًا بضمائر كبيرة.
يا للرجالِ أفيقوا من سباتِكمُ
فاليقظة التي دعا إليها الإمام أبو مسلم لا تقتصر على مواجهة خطر ظاهر، بل تشمل كل ما يهدد المجتمع من الداخل، وكل ما يضعف قيمه أو يستهدف شبابه.
فانتشار الآفات التي تنخر في عظم المجتمع، وإضعاف القيم، واستغلال ضعف الشباب، ليست قضايا أمنية فحسب، بل هي مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والإعلام، وكل فرد يدرك أن حماية المجتمع تبدأ من يقظة الضمير.
فكم من أزمة كان يمكن أن تتوقف في بدايتها لو وجد شابٌّ من يأخذ بيده، أو أسرةٌ من يستمع إليها، أو مسؤولٌ يبادر قبل أن تتفاقم المشكلة.
فالمسؤولية الحقيقية لا تبدأ عند وقوع الخطر، بل عند منع أسبابه.
ومن هنا يبدأ النداء من البيت.
من الأم التي تصنع الإنسان قبل أن تصنع الأسرة، فتغرس الصدق والانضباط والرحمة في نفوس أبنائها.
ومن الأب الذي لا تقتصر رسالته على توفير المعيشة، بل تمتد إلى التربية، والقدوة، والمتابعة، وصناعة الشخصية.
فكم من ابنٍ حفظته قدوة أبيه، وكم من جيلٍ صنعته أمٌّ آمنت برسالتها.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس نقص الإمكانات، بل ضعف الإحساس بالمسؤولية. فقد تكثر الدعوات إلى الإصلاح، لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يشعر كل إنسان أن موقعه أمانة، وأن أثره قد يمتد إلى أجيال لم يلتق بها يومًا.
ولهذا فإن "يا للرجال" ليست دعوة إلى فئة دون أخرى، بل نداء لكل من حمل مسؤولية في هذه الحياة.
فالوطن يحتاج إلى رجلٍ في منصة القضاء، ورجلٍ في موقع القرار، ورجلٍ في المدرسة، ورجلٍ في المستشفى، ورجلٍ في الميدان، ورجلٍ في بيته.
والرجل هنا ليس من يعلو صوته، بل من يعظم أثره.
ويصل بنا صدى هذا النداء إلى وجعٍ مستديم في زماننا، حيث نادى الأقصى، وتنادي غزة، لا بحثًا عن كلماتٍ جديدة، بل انتظارًا لمواقف تترجم معنى المسؤولية.
نداءٌ إنساني وأخلاقي تجاوز الحدود والجغرافيا، واختبر صدق الشعارات أمام حقيقة المواقف.
ولكن كم من نداءٍ ارتفع، ولم يجد من يجيبه؟ فلم تأتِ "لبيك" كما ينبغي من ضميرٍ إنساني عالمي، بما يملك من مؤسسات ومنظمات، ولا من منظومةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ كان يُنتظر منها أن تجعل من نصرة المظلوم موقفًا يتجاوز البيانات إلى الفعل.
فالقضايا الكبرى لا تُقاس بكثرة الكلمات، ولا بحجم البيانات، بل بما تحمله النفوس من إحساسٍ بالواجب. وعندما يرتفع صوت المظلومين، فإن السؤال لا يكون فقط: من يملك القوة؟ بل من يملك ضميرًا إنسانيًا حيًّا ينهض لنصرة الحق، ويقول: لبيك.
وهكذا يبقى نداء الإمام أبي مسلم الرواحي حيًّا؛ لأنه لا يسأل الإنسان عن اسمه أو مكانته، بل يسأله:
ماذا قدمت؟
وكيف حملت الأمانة؟
وهل كنت ممن أجابوا النداء؟
فالنداءات العظيمة لا تموت، وإنما تنتظر من يعتزي لها قائلًا: لبيك.
فإذا أصبح العدل ميزانًا، والأمانة خُلُقًا، والإخلاص طريقًا، لم يعد نداء: يا للرجال
بحثًا عن رجالٍ غائبين، بل احتفاءً برجالٍ ونساءٍ حملوا الأمانة، وأجابوا النداء، وما زالوا يقولون: لبيك.. للحق، وللوطن، وللأمانة.
