ريم الحامدية
reem@alroya.info
وضعتُ الحقيبة عند الغرفة رقم 114 في منتجع روتانا بصلالة، ولم أفتحها. ظلّت واقفة هناك، كأنها تعرف أنها لم تأتِ لتستريح. لم أكد ألتقط أنفاسي حتى بدأ الهاتف يرن، تتبعه رسالة، ثم رسالة أخرى، ثم تذكير بموعد، واتصال فاتني، وملف ينتظر، وأشخاص ينتظرون مني جوابًا، وآخرون ينتظرون مني حضورًا.
وقفتُ لحظة أحدّق في الحقيبة، ثم أدركت أنها لم تكن أثقل ما أحمله في ذلك الصباح.
كان الأثقل هو كل ما أحمله معي… ولا يُرى.
أدهشني كيف أصبح الإنسان قادرًا على حمل عالمٍ كامل داخل رأسه. ليست حقائب السفر هي التي تُثقله، بل تلك القائمة الطويلة التي لا تنتهي؛ ما يجب أن ينجزه، وما يجب أن يتذكره، وما يخشى أن يفوته، وما ينتظر منه الآخرون أن يكونه.
منذ أن نكبر، لا تعود الحياة تسألنا من نريد أن نكون، بل ماذا ينقصنا لنؤديه.
أن تكون الابن الذي لا يريد أن يخذل والديه، والأخ الذي يبدو متماسكًا مهما ضاق صدره، والصديق الذي يجد دائمًا متسعًا للاستماع، والموظف الذي يُنتظر منه الإنجاز، والقريب الذي لا يسمح للواجب أن يفوته، والإنسان الذي يبتسم كلما التقت عيناه بعيون الآخرين… حتى في الأيام التي لا يجد فيها سببًا واحدًا للابتسام.
شيئًا فشيئًا، لا نتعب من كثرة العمل وحدها، بل من كثرة النسخ التي نرتديها في اليوم الواحد.
والمفارقة أننا أصبحنا نقيس نجاحنا بقدرتنا على الاحتمال. كلما حملنا أكثر، ظننا أننا أقوى. وكلما أخفينا إرهاقنا، ظننا أننا أكثر نضجًا. حتى صار التعب فضيلة، والانشغال وسامًا، وأصبح الاعتذار عن الراحة أسهل من طلبها.
لكن الإنسان لم يُخلق ليكون آلةً تُنجز، ولا جدولًا للمواعيد، ولا قائمةً لا تنتهي من الالتزامات.
خُلق ليعيش، ليلتفت أحيانًا إلى السماء دون أن يفكر فيما ينتظره بعد ساعة، وليجلس مع من يحب دون أن يقاطعه إشعار، وليشرب قهوته وهي لا تزال ساخنة، وليجد وقتًا يسمع فيه صوته قبل أصوات الجميع.
نحن لا نخسر أنفسنا دفعةً واحدة، بل نخسرها في التفاصيل الصغيرة. في كل مرة نقول فيها: "بعد أن أنتهي من هذا".
ثم يأتي الذي بعده… ثم الذي بعده… حتى تمضي السنوات، ونكتشف أننا كنا نؤجل الحياة نفسها.
ربما ليست المشكلة في كثرة ما نحمله، فالحياة ستظل مليئة بالمسؤوليات ما دمنا أحياء.
المشكلة أن الإنسان قد يعتاد حمل كل شيء… إلى درجة أنه ينسى أن يفتش بين كل ما يحمله عن نفسه.
وحين يحدث ذلك… لن يكون السؤال: كم أنجزت؟ ولا: كم مدينة زرت؟ ولا: كم مسؤولية أديت؟ بل سؤالًا واحدًا، هادئًا، ومخيفًا في الوقت نفسه: بعد كل هذا الركض… هل عشت فعلًا؟
