جغرافيا الألفة وعناد الكائنات الصامتة
حمد الناصري
إذا كان حسّ الآلة المصطنعة مجرد قوالب تدوير باردة، فإنّ بقية الموجودات في الناموس الكوني ــــ من بحرٍ، ورملٍ، وشجرٍ، ونبات ــــ تؤكد أن علاقتها بالحس البشري تتجاوز جمود المادة لتشكل ألفة نفسية عميقة، تنبع من حقيقة كون الإنسان هو الروح المستخلفة على هذه الأرض. وهذه الكائنات الصامتة ليست شظايا فاقدة للجوهر، بل هي أوعية وجدانية يتكامل معها الإنسان بوصفه المستخلف المؤتمن على صخرها وبحرها وجبلها، ليرتد من خلالها حسّ الطبيعة فيلتقي بالنبض الإنساني والحيواني عند أرقى تجليات التلامس الوجودي.
ويتجلى هذا التناغم الحِسي في شواهد واقعية تكسر منطق العقل الفيزيائي الجاف؛ فحين انحدرت مركبة من شاهقٍ جبلي يربو على عشرة آلاف قدم نحو هُوّة سحيقة، قذفت الاندفاعات بطفلة لم تكمل خامسها لتستقر عند صخرة لطيفة؛ إذ احتضنت المادة الصخرية الصلبة براءة الطفولة المتشبثة بالحياة، فلزمت الطفلة رقدتها الآمنة كأنها لاذت بملاذ الحجر الحاني، في قوة حسيّة مشتركة بين الجماد والنبض. وفي المُنحدر ذاته، تكمّمت السيارة بوعاء حجري صَلد أوقف تدحرجها ليحمي بقية العائلة الغائبة عن الوعي في عُمق التجويف الصخري. وبينما حجبت الصخور الرؤية البصرية، انبرى طائر بحِسّ فطري موجّه ليحوم فوق الموضع بدقة، مرشداً طائرات الإسعاف بعناية إلهية تحرك الناموس الكوني.
وإفرازاً لأبعاد هذه الواقعة الإعجازية في جغرافيتنا العُمانية، نجد تماساً كلياً مع أطروحة الفيلسوف الفرنسي "غاستون باشلار" (Gaston Bachelard) في أثره (جماليات المكان)، بترجمة الروائي الأردني غالب هلسا؛ حيث أسس باشلار نظرية "المكان الأليف" (L'espace heureux) ليفكك اعتزال الجماد لجفائه الفيزيائي، مستحيلاً إلى "رحم وجداني" يدعم الإنسان المعزول. وبمقارنة هذه الفلسفة بالواقعة، نكتشف أنّ "الصخرة اللطيفة" والتجويف الصخري الحاضن لم يكونا كُتلاً صمّاء، بل تحوّلا بدافع "جغرافيا الألفة" إلى وعاء وجداني واعٍ يذود عن البراءة الإنسانية ويُعيد صياغة أمانها الوجودي.
وهي ذاتها المُقارنة الشاملة التي تُفَسّر وقائع الأرض المُقابلة؛ ففي الهِند، وإبّان أنواء كارثية زلزلت الأرض وهدّمَت البنايات، خرجت امرأتان عجوزتان من تحت الأنقاض سليمتين بعد أسبوعين من العزلة المُطبقة؛ والسبب يعود إلى تجويف مكاني حواهُما كالغرفة أو المغارة بأقدار الله، تَوازَى مع حسّ رحيم لِقطّتين واظبتا على تزويدهما بالطعام والشراب طيلة تلك المدة. إذنْ، هذه الشواهد الحية تُعيد صياغة مفهومنا للمادة؛ فالكونُ كله يتنفس بحِس دفين يتناغم مع وعي الإنسان المُستخلف، لتظل الطبيعة حارساً أميناً بأمر بارئها، ناطقةً بأنّ الحياة في أصلها اتصال وجداني لا انفصام فيه ولا جُمود.
وهُنا، ليس الجماد وحدهُ من ينطق بهذا الحِس المُستخلف، بل يمتد التناغم الشعوري إلى عوالم الحيوان الأعجم وشواهد الفطرة والوحي؛ ألم تشهد البطحاءُ تسبيحَ الحَصى في كفّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ليُعِيد الوجدان الإسلامي تعريف كينونة الحجر بوصفه كائناً منصتاً مسَبّحاً؟ وتلك الحجارة الصامتة، يُخبرنا عنها القرآن الكريم في قانون وجودي حازم بسورة البقرة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، ليثبت للحجر حِسّاً وانفعالاً يتضاءل أمامه جُمود البشر. بل إنّ ذروة العِناد الحِسي الواعي للمادة تجَلّت في سورة الأحزاب حين أشفق الكون كله من حمل الأمانة الكبرى، كما يُصَوّرها الحق جل وعلا: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾؛ فالإباء والإشفاق هنا، هُما حِسّ أزلي دفين ووعي كوني يسكن تضاريس الطبيعة تجاه خالقها.
وهذا التدفق المُحكم يستند أصلاً، وبالمقارنة الجدلية التتابعية، إلى المبدأ القرآني الحاسم والقانون السببي الوجودي في قوله تعالى بسورة الكهف: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾، ليتأكد للقارئ أن هذا الناموس الكوني والربط بين المادة والروح يسير وفق هندسة إلهية منطقية صارمة قائمة على تسلسل مسَبّبات الألفة، تماماً كما برهن الفيلسوف الألماني "مارتن هايدغر" (Martin Heidegger) في أطروحته الفلسفية (التقنية والمنعطف) بترجمة وتحليل المفكر التونسي الدكتور فتحي المسكيني؛ حيث يُبرهن "هايدغر" بالأدلة الشاملة أنّ التقنية الحديثة تُمارس استنزافاً وعِناداً صَلفاً يسلب الإنسان فرادته ويُغربه عن كينونته الفطرية. وما برهنه "هايدغر" في أطروحة "التقنية والمنعطف" يعود بأسبابه إلى التغيير الجذري في مفهوم الأداة؛ إذ ينتقل من فهم التقنية كوسيلة صلعاء للسيطرة إلى رؤيتها كقدر وجودي يُهدد كينونة الإنسان ويُفرغ وعيه.
وذلك هو عين ما نُبيّنه في أطروحتنا هذه المُتسلسلة بعناوينها المُستخلف ودعمها الفلسفي في (حس الجماد 1، 2، 3، 4، 5) لحماية الوعي البشري من الانصهار في قوالب المادة الاصطناعية. كما يبرز هنا، ذلك التساؤل المعرفي الأكثر عُمْقاً والذي نطرحه لخلق طابع شُمولي، مُعزز بالطبيعة والانسان وعلاقة التدفق الطاقي بهما ونقول: إنّ الوعي يُحرر الانسان من ماهيات الآلة الجامدة وبرمجتها التي تُعيد نسخ وتدوير ما صَدّره البشر لها، وهذا هو الاستلاب الأخطر لإقتلاع الوجود الآدمي وصَهره في العدمية التقنية.
ونُعيد طرح السؤال حاملاً في طياته ملامح ظهور خطر تقني وبرمجي لا ينتظر منا تسويغاً لأمرنا أو تطويعاً لِفِكْرنا: فهل تكمن مأساة المُستقبل في زحف "التذاكي الخوارزمي" وعِناد الشاشات الصمّاء، أم تكمن في تراجع قدرة الإنسان على التفكير العميق الـمُتأني والإنتاج الفكري الذاتي، واستسلامه لعقلية الآلة الجاهزة في أحضان السيليكون؟ أم أنّ البشر سوف يُعَمّقون هذه التجارب ومُعطياتها لكي لا تكون بضاعة باردة، ويُحوّلونها إلى نقطة انطلاق كملمح إنقاذٍ لكينونتهم، أو لصناعةٍ دأبوا على صِبْغَها بالحِكْمة والوعي المُستخلف؟ إنها رأس الرصانة الجدلية التي تمنحنا حق المُرافعة وتصُون فكرنا، لتبقى السيادة في الأرض للمُستخلف فيها، وتظل حَكْراً لطينة الإنسان ونفخته الروحية المُودعة بالأسرار الإلهية المعجزة.
خُلاصة القول: إنّ "حِسّ الجماد" هو مرآة الوجود التي تعكس رتبة الإنسان الاستخلافية؛ بينما تقف الآلة الرقمية عند حدود تدوير البيانات وسرقة تجاربنا الروحية لتُعِيد تصديرها إلينا كبضاعة معنوية باردة، وتنهض كائنات الطبيعة الصامتة من صُخور وبحار وحيوان لتصنع "جغرافيا الألفة" وتحتضن براءتنا بأقدار الله ولُطفه الدفين الحارس لسرّ الروح في كينونتنا المعيشية المُمتدة. وهذا الاحتضان الكوني الفطري هو ما يُؤصّل في بصيرتنا المعرفية لـ "فلسفة حِسّ الجماد الواقعية" التي نتبنّاها، كــحقيقة قائمة، تُثبت تلاحم الذات البشرية مع مادتها الوجودية.
*هذا المقال يندرج ضمن سلسلة "حِسّ الجماد"، وهو يجسد فلسفة الجماد الحسية الواقعية؛ الرؤية والأطروحة الفكرية الخاصة بالكاتب.
