زهراء بنت حسن اللواتية**
@diff.not.less
يواجه الكثير من الأطفال التوحديين تحديات تعليمية في اكتساب المهارات اللغوية والقرائية، وقد تزداد هذه التحديات عند تعلم اللغة العربية لما تتميز به من خصائص لغوية فريدة، مثل تعدد أحرفها، والتشابه في أشكال عددٍ منها، وكذلك علامات التشكيل الأساسية، وكيف تتغير طريقة النطق مع تغير العلامة التي توضع أعلى أو أسفل الحرف، سواء كانت حركات أساسية (الفتح، والضم، والكسر، والسكون)، أو التنوين، أو الشدة. وفي الوقت الذي تركز فيه الكثير من الدراسات على برامج التدخل المبكر المقدمة داخل المؤسسات التعليمية، لا تزال الأبحاث التي تتناول تعليم اللغة العربية داخل بيئة المنزل بإشراف الوالدين محدودة نسبيًا. وانطلاقًا من أهمية دور الوالدين في التدخل المبكر، هدفت هذه الدراسة إلى استكشاف فاعلية برنامج تعليمي منزلي يقوده أحد الوالدين لتعليم القراءة باللغة العربية لطفل مشخص باضطراب طيف التوحد، باستخدام القاعدة النورانية باعتبارها أحد أشهر المناهج لتعليم القراءة، والتي تعتمد على الانتقال المنظم من التعرف على الحروف إلى الحركات، ثم المقاطع، وصولًا إلى قراءة الكلمات القصيرة.
اعتمدت الدراسة على منهج دراسة الحالة في بحث نوعي، حيث تناولت تجربة تعليم طفل توحدي يبلغ من العمر عشر سنوات، يتلقى تعليمه في مدرسة دولية تتبع المنهج الأمريكي، مع محدودية تعرضه للغة العربية بشكل أكاديمي مقارنة باللغة الإنجليزية. واستمرت الدراسة لمدة ستة أسابيع، نُفذت خلالها (18) جلسة تعليمية منزلية بصورة منتظمة، مع توثيق جميع مراحل التدخل التعليمي من خلال تقارير تأملية يومية سجلت فيها الأم تفاصيل الأنشطة التعليمية، واستجابات الطفل للأنشطة، والتحديات التي واجهت عملية التعلم، وأخيرًا التعديلات التي أُجريت على الاستراتيجيات التعليمية وفقًا لاستجابة الطفل وتطور أدائه. ولتحليل البيانات، فقد استخدمت الدراسة منهجية التحليل الموضوعي وفق الإطار الذي طورته الباحثتان فرجينيا براون وفيكتوريا كلارك (2006)، وهي من أكثر منهجيات التحليل النوعي استخدامًا في بحوث علم النفس والبحوث التربوية.
مرت عملية تحليل البيانات بست مراحل متتابعة، بدأت بالتعرف على تفاصيل التقارير التأملية والقراءة المتعمقة للبيانات، ثم توليد الرموز الأولية، والبحث عن الموضوعات ومراجعتها، ثم تطوير الموضوعات الرئيسة وتسميتها وتفسيرها بصورة علمية، وصولًا إلى مرحلة كتابة النتائج النهائية، مدعومة باقتباسات مباشرة من النصوص الأساسية للتقارير التأملية. وأسفر هذا التحليل عن أربعة محاور رئيسة تمثلت في: الأنشطة التعليمية المنظمة، والاستراتيجيات التعليمية، والتحديات التعليمية، والممارسات التأملية للأم أثناء تنفيذ الأنشطة التعليمية. وأظهرت النتائج أن التنظيم التدريجي في تعلم اللغة العربية، وفق ما تقوم عليه القاعدة النورانية، قد أسهم في دعم تعلم الطفل، حيث بدأ البرنامج بتعليم الحروف الهجائية بشكل مفرد، ثم التعرف على كل حرف مقرونًا بحركات التشكيل الثلاث، وصولًا إلى المقاطع الصوتية المكونة من حرفين أو ثلاثة أحرف معًا، قبل الانتقال إلى قراءة الكلمات البسيطة. وساعد هذا التسلسل المنهجي على اكتساب الطفل للمهارات بصورة تدريجية، بما يتناسب مع احتياجاته، وسرعته في التعلم، وقدراته.
كشفت الدراسة أن التنوع في استخدام الاستراتيجيات التعليمية كان من أبرز عوامل نجاح التجربة التعليمية، وكان من بينها استخدام الوسائل البصرية، والأنشطة التي تستهدف الحواس المتعددة، وأنشطة تتبع الحروف بالرمل، والكتابة في الهواء، واستخدام الأحرف المغناطيسية والبطاقات التعليمية، إضافة إلى فترات الاستراحة لممارسة الأنشطة الحركية، وتكييف البيئة التعليمية المنزلية لتقليل المشتتات، وأخيرًا منح الطفل وقتًا كافيًا للاستجابة دون استعجاله أو الضغط عليه. كما أبرزت نتائج الدراسة أهمية توظيف اهتمامات الطفل الشخصية في الجلسات التعليمية المنزلية، حيث أسهم استخدام معينات مثل الألعاب المفضلة، والأناشيد، وأحرف أسماء أفراد العائلة في رفع مستوى الدافعية، والمحافظة على انتباهه لفترات أطول، الأمر الذي يتماشى مع العديد من دراسات التدخل المبكر الحديثة التي تؤكد أن إعطاء الأولوية لاهتمامات الطفل الشخصية في الأنشطة التعليمية يزيد من فاعلية التعلم لدى الأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد.
وفي الجانب المقابل، وثقت الدراسة عددًا من التحديات التعليمية التي صاحبت التجربة، كان من أبرزها صعوبة التمييز بين الحروف العربية المتشابهة شكلًا، وصعوبة التمييز بين علامات التشكيل، إضافة إلى تشتت الانتباه في الجلسات الطويلة نسبيًا، والحساسية تجاه المثيرات السمعية في البيئة المحيطة، وكذلك الإجهاد الذهني عند الانتقال إلى مستويات أكثر تقدمًا في قراءة المقاطع الصوتية أو الكلمات. إلا أن إحدى أهم نتائج هذه الدراسة تمثلت في أن هذه التحديات لم تكن عوائق ثابتة، بل تحولت إلى مؤشرات ساعدت الأم على إجراء تعديلات على الأنشطة التعليمية بشكل مستمر. فكلما ظهرت صعوبة في الجلسة التعليمية، بادرت إلى إجراء تعديل مباشر، مثل تغيير سرعة الانتقال إلى محتوى تعليمي جديد، أو تقسيم المهارة التعليمية إلى مهارات أصغر، أو تغيير الوسيلة التعليمية المستخدمة، أو إجراء تعديل على البيئة المحيطة، كل ذلك بما يتلاءم مع احتياجات الطفل في تلك اللحظة والتحديات التعليمية التي يواجهها.
ولم تقتصر نتائج الدراسة على تطوير مهارات القراءة باللغة العربية لدى الطفل فحسب، بل امتدت لتشمل جوانب أخرى، فقد أظهرت التقارير التأملية اليومية أن المراجعة المستمرة بعد كل جلسة ساعدت الأم على فهم استجابات الطفل للتدخلات التعليمية بصورة أعمق، كما ساعدتها في اتخاذ قرارات تعليمية أكثر فاعلية في الجلسات اللاحقة. وأسهمت التجربة كذلك في زيادة ثقة الأم بقدرتها على تعليم الطفل في البيئة المنزلية، وتعزيز العلاقة الإيجابية بينهما، وتحويل جلسات التعلم اليومية إلى تجربة مشتركة قائمة على التفاعل والدعم والثقة المتبادلة. وتتفق هذه النتائج مع ما تشير إليه نظرية فيجوتسكي الاجتماعية الثقافية، التي اعتمدت عليها الدراسة إطارًا نظريًا، حيث يرى فيجوتسكي أن النمو المعرفي للفرد هو عملية اجتماعية نشطة، وأن التعلم يحدث أولًا من خلال التفاعل مع الآخرين. كما أن التعلم يحدث بصورة أفضل عندما يقدم "الشخص الأكثر خبرة" دعمًا تدريجيًا للمتعلم، ثم يقلل مقدار الدعم تدريجيًا مع تطور قدراته حتى يصل إلى الاستقلالية. وقد جسدت التجربة هذا المفهوم عمليًا من خلال دور الأم، بوصفها "الشخص الأكثر خبرة"، في تقديم المساندة التعليمية المناسبة في كل مرحلة من مراحل تعلم القراءة باللغة العربية.
ورغم أن الدراسة المذكورة قد اقتصرت على حالة واحدة فقط، فإنها قدمت مؤشرات مهمة على إمكانية استخدام القاعدة النورانية كإحدى الوسائل في تعليم القراءة العربية للأطفال المشخصين باضطراب طيف التوحد في البيئة المنزلية، كما فتحت المجال أمام إجراء دراسات أوسع تشمل عددًا أكبر من الأطفال، أو دراسات أخرى تقارن بين تأثير التدخلات المنزلية والمؤسسية في تعليم اللغة العربية، وتلك التي تسهم في تطوير برامج تدريبية تساعد الوالدين على ممارسة دور أكثر فاعلية في التدخل المبكر، وفي تعليم أطفالهم المشخصين بالاضطراب. وفي ظل التوجهات الحديثة التي تؤكد أهمية الشراكة بين الوالدين والمؤسسات التأهيلية والتعليمية، تؤكد هذه الدراسة أن دور الوالدين يتجاوز المتابعة والدعم إلى المشاركة الفاعلة في العملية التعليمية. فعندما يُمكَّن الوالدان من المعرفة والاستراتيجيات التعليمية المبنية على أسس علمية، يمكن أن يتحول المنزل إلى بيئة تعليمية داعمة تسهم في تنمية المهارات الأكاديمية للطفل، وتعزز أثر برامج التدخل والتأهيل، بما يحقق تكاملًا حقيقيًا بين الجهود الأسرية والمؤسسية.
للاطلاع على تفاصيل الدراسة، يمكن الرجوع إلى البحث المنشور في مجلة GADING Journal for the Social Sciences عبر الرابط التالي
https://gadingssuitm.com/index.php/gadingss/article/view/898/539
** باحثة دكتوراه في فلسفة التربية
