في يوم رحيل أبي

 

 

عبدالله بن خلفان البلوشي

في يوم رحيل أبي، كان المشهد أشبه بطيف مرَّ بنسماته، وكرامات أسعدت قلوبنا، وغيرت مرارة الحزن إلى سعادة الفوز بنجاح اختبار الدنيا، والفوز بالقبول في الآخرة بإذن الله تعالى، وإلى جنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين.

بدأت رحلة أبي إلى دار الآخرة مع أول تكبيرة لأذان الفجر؛ حيث صاح النداء: "الله أكبر"، حي على الآخرة، حي على أعلى مراتب الجنان.

حمدنا الله سبحانه وتعالى وشكرناه، مقتدين بنهج أبي، عندما كان في نعيم الابتلاء صابرًا، ذاكرًا، حامدًا لله، شاكرًا على ما ابتلاه، راضيًا بقضائه سبحانه وتعالى.

بعد أن غُسِّل، وطُيِّب، وأُلبس الثياب البيض على يد أبنائه وخيرة الرجال الذين أوصى لهم، حُمل على الأكتاف بكل فرح، وكأنه في موكب زفاف، مقبلًا إلى ربه بعد إتمام اختبار الدنيا، حاملًا الشهادة بعد أن أكرمه الله بالابتلاء، وألهمه الصبر بعد العناء.

كانت أول محطاته في مسجده ومحرابه، مكان أذانه، وإقامته، وصلاته، وحيث كان يذكر ربه كل يوم.

ومكث فيه من الصباح حتى أذان الظهر، لتكون لحظات الوداع مرتبطة بحياته بين السحر، وأذان الفجر، وصلاة الضحى.

ثم انتقل بموكب زفافه إلى المحطة الثانية في المسجد الجامع، الذي كان خطيبه وإمامه لسنوات، والذي دعا فيه إلى جمع الناس ونبذ جميع الخلافات، وإلى المكان الذي أحبه. فأكرمه الله فيه بصلاة الظهر، ثم صلاة الجنازة التي صلاها أحد أبنائه، ثم الدعاء له من الجمع الكريم بواسطة أحد أعز أصدقائه، ثم زُفَّ إلى ربه حيث دار المقام. وكأن النعش يسابق المشيعين إلى القبر بشكل متسارع، بكل لهفة واشتياق إلى الدار التي عمل لأجلها طوال حياته.

وعند النزول به إلى قبره، لينزله أولاده، ويتسلمه أولاده في القبر ثم إلى اللحد، هنا كانت الكرامات؛ وكأن أحدًا أخذه من أيدينا لينزله إلى القبر، ثم أخذه من أيدينا لينزله إلى اللحد، مقبلًا على الله تعالى في بضع دقائق، وكأن أيادي خفية قامت بكل هذا.

ثم بعد أن دُفن القبر بالتراب، كأن أمرًا أتى إلى الغبار أن يسكن فلا يتطاير، ليلقي أحد أبنائه كلمة الحمد والتذكير بما أنعم الله علينا من فضل ونعمة، ثم كان الدعاء له من قبل أحد الرجال الصالحين المخلصين الذين يحبهم الله ورسوله.

لم يُحزنَّا الرحيل، ولكن كانت سعادتنا بحسن الخاتمة لأبينا، محتسبين أجره على الله سبحانه وتعالى، ليلتحق بأبيه (الغريق الذي نحتسبه عند الله شهيدًا)، وأمه (الشهيدة بإذن الله تعالى).

أسأل الله أن يحشره في زمرة الأنبياء، والأولياء، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

ونقول ما يرضي ربنا: "إنا لله وإنا إليه راجعون".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z