الاستراتيجية الوطنية لموارد رأس المال البشري.. من الرؤية الفكرية إلى التنفيذ الوطني

 

 

مهند العصفور

في مقالي السابق حول "موارد رأس المال البشري"، دعوت إلى إعادة النظر في الإنسان باعتباره موردًا وطنيًا سياديًا استراتيجيًا يتجاوز المفهوم التقليدي للموارد البشرية، وطرحت رؤية تقوم على أن الإنسان لم يعد مجرد عنصر من عناصر الإنتاج، بل أصبح الثروة الوطنية الأكثر استدامة، والمحرك الرئيس للنمو الاقتصادي والابتكار والتنافسية. كما أشرت إلى أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب منظومة وطنية متكاملة تتجاوز حدود التوظيف والتدريب، لتشمل مختلف العوامل المؤثرة في بناء رأس المال البشري، ومن أبرزها الصحة العامة، والصحة الذهنية، والسمات الشخصية والسلوكية، والتعليم والتعلم المستمر، والبعد الاجتماعي، إلى جانب وجود استراتيجية وطنية تمثل نقطة الانطلاق لتوحيد هذه الجهود وتحويلها إلى مشروع وطني متكامل. وانطلاقًا من تلك الرؤية، يأتي هذا المقال للحديث عن الاستراتيجية الوطنية لموارد رأس المال البشري، باعتبارها البوصلة التي تحدد الاتجاه، وتضع خريطة الطريق، وتربط بين مختلف المبادرات الوطنية ضمن إطار واحد يخدم مستقبل الوطن.

إن الاستراتيجية الوطنية ليست مجرد وثيقة تخطيطية أو خطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة تنفيذها، وإنما تمثل رؤية طويلة المدى تحدد ما الذي نريد أن يكون عليه رأس المال البشري خلال العقود القادمة، وكيف يمكن الوصول إلى ذلك بصورة منهجية ومستدامة. وفي ظل تعدد الجهات التي تعمل على تطوير الإنسان، فإن غياب إطار وطني جامع قد يؤدي إلى تشتت الجهود، وتكرار المبادرات، وتفاوت الأولويات. أما وجود استراتيجية وطنية واضحة، فإنه يضمن تكامل السياسات والبرامج، ويربطها بالأهداف الاقتصادية والاجتماعية للدولة، ويحول الاستثمار في الإنسان من مبادرات متفرقة إلى مشروع وطني منظم يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040".

ولكي تحقق هذه الاستراتيجية أهدافها، فإنها ينبغي أن تُبنى على المرتكزات نفسها التي يقوم عليها مفهوم موارد رأس المال البشري، فلا تقتصر على تطوير المهارات المهنية أو رفع نسب التوظيف، بل تتبنى منظورًا أكثر شمولًا يضع الإنسان في قلب عملية التنمية. ويأتي في مقدمة هذه المرتكزات الصحة العامة وجودة الحياة، باعتبارهما الأساس الذي تُبنى عليه القدرة على التعلم والإنتاج والعطاء. فالمجتمعات التي تستثمر في الوقاية، والرعاية الصحية، وأنماط الحياة الصحية، لا تحقق مكاسب اجتماعية فحسب، بل تبني أيضًا اقتصادًا أكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة، لأن الإنسان السليم يمثل نقطة البداية لأي تنمية مستدامة.

ولا يقل عن ذلك أهمية الصحة الذهنية والرفاه النفسي، اللذان أصبحا اليوم من أهم مؤشرات جودة رأس المال البشري في الاقتصادات المتقدمة. فالصحة الذهنية تؤثر بصورة مباشرة في الإنتاجية، والابتكار، والقدرة على اتخاذ القرار، وإدارة الضغوط، والاستقرار الوظيفي والاجتماعي. ومن هنا، فإن الاستراتيجية الوطنية ينبغي أن تنظر إلى تعزيز الرفاه النفسي بوصفه استثمارًا وطنيًا طويل الأمد، من خلال نشر الوعي، وتطوير الخدمات، وتعزيز بيئات العمل الداعمة، وترسيخ ثقافة تجعل الاهتمام بالصحة الذهنية جزءًا أصيلًا من جودة الحياة والتنمية البشرية.

كما يجب أن تمنح الاستراتيجية اهتمامًا خاصًا بالسمات الشخصية والسلوكية التي تشكل جوهر رأس المال البشري، مثل النزاهة، والانضباط، والمرونة، والقدرة على التكيف، والذكاء العاطفي، وروح المبادرة، والعمل الجماعي، والقيادة، والإبداع. فهذه السمات أصبحت اليوم من أكثر العوامل تأثيرًا في نجاح الأفراد والمؤسسات، بل إن كثيرًا من الدراسات تشير إلى أن النجاح المهني يعتمد بدرجة كبيرة على المهارات والسلوكيات الشخصية، إلى جانب المعرفة الأكاديمية. ومن هنا، فإن الاستثمار في بناء الشخصية لا يقل أهمية عن الاستثمار في التعليم أو التدريب.

ويظل التعليم والتعلم المستمر أحد أهم أعمدة الاستراتيجية الوطنية، إلا أن المقصود هنا ليس التعليم بمفهومه التقليدي، وإنما بناء منظومة تعلم مدى الحياة، قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في المعرفة والتكنولوجيا وسوق العمل. فالاستراتيجية الناجحة هي التي تضمن مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد الوطني، وتدعم إعادة التأهيل والتطوير المستمر، وتعزز المهارات المستقبلية، بما يمكن الأفراد من التكيف مع المتغيرات واغتنام الفرص التي تفرضها الثورة الصناعية الرابعة والاقتصاد الرقمي.

ولا يكتمل بناء رأس المال البشري دون الاهتمام بالبعد الاجتماعي، الذي يشمل تعزيز رأس المال الاجتماعي، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، وبناء الثقة، وتشجيع العمل التطوعي، وتعزيز المسؤولية المجتمعية. فالفرد لا يعمل بمعزل عن مجتمعه، كما أن قوة المجتمعات تُقاس بقدرتها على بناء علاقات قائمة على التعاون والثقة والتكافل. ولذلك، فإن الاستراتيجية الوطنية ينبغي أن تسهم في بناء بيئة اجتماعية داعمة، تعزز مشاركة الأفراد في التنمية، وترسخ الهوية الوطنية باعتبارها أحد أهم مكونات رأس المال البشري.

وفي المقابل، فإن الهدف النهائي لهذه المرتكزات جميعًا هو تعظيم القيمة الاقتصادية لرأس المال البشري، من خلال رفع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، وإدارة المواهب، وتمكين ريادة الأعمال، وزيادة المشاركة الاقتصادية، وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني. فالاستثمار في الإنسان ليس إنفاقًا اجتماعيًا، بل هو استثمار اقتصادي طويل الأجل، ينعكس على النمو، والاستدامة المالية، وجاذبية الاستثمار، وقدرة الدولة على المنافسة في الاقتصاد العالمي.

غير أن نجاح أي استراتيجية وطنية لا يتوقف على جودة محتواها فقط، بل يعتمد على وجود جهة وطنية متخصصة تمتلك الرؤية والخبرات والصلاحيات اللازمة للإشراف على تنفيذها، وتنسيق الجهود بين مختلف الجهات الحكومية والقطاع الخاص، والمؤسسات الأكاديمية، ومؤسسات المجتمع المدني، ومتابعة مؤشرات الأداء، وقياس الأثر، ومراجعة الأولويات بصورة دورية. فكما أن إدارة الموارد الطبيعية والاقتصادية تُسند إلى مؤسسات متخصصة، فإن إدارة موارد رأس المال البشري تستحق جهة وطنية تقود هذا الملف الاستراتيجي، وتضمن استدامته، وتحافظ على تكامل مكوناته، وتعمل على تطويره بما يتواكب مع المتغيرات المحلية والعالمية.

إن بناء مستقبل أكثر تنافسية لا يبدأ من سوق العمل، ولا من المؤسسات التعليمية وحدها، بل يبدأ من رؤية وطنية شاملة تعيد تعريف الإنسان باعتباره أهم مورد سيادي استراتيجي تمتلكه الدولة. ومن هنا، فإن الاستراتيجية الوطنية لموارد رأس المال البشري تمثل الخطوة الأولى في تحويل هذا المفهوم إلى واقع عملي، من خلال توحيد الجهود، وتوجيه الاستثمارات، وبناء منظومة متكاملة تستثمر في الإنسان عبر جميع مراحل حياته. وعندما تصبح هذه الرؤية جزءًا من السياسات الوطنية، فإننا لا نكون قد طورنا إدارة الموارد البشرية فحسب، بل نكون قد أسسنا لمرحلة جديدة تُدار فيها موارد رأس المال البشري باعتبارها الثروة الوطنية الأهم، والقوة الحقيقية القادرة على صناعة مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z