في زمنٍ أصبحت فيه الأصوات أكثر من لحظات الصمت، والرسائل أكثر من الحوارات، والظهور أكثر من الحضور الحقيقي، بدأت أرواحٌ كثيرة تعاني من تشققاتٍ لا يراها أحد. تشققاتٌ لا تُقاس بالألم الجسدي، لكنها تظهر في صورة تعبٍ داخلي، وفقدانٍ للشغف، وقلقٍ مستمر، وشعورٍ بأن الإنسان يركض كثيرًا دون أن يصل إلى وجهته.
نحن نعيش عصرًا تتسارع فيه الحياة بشكل يفوق، أحيانًا، قدرة النفس البشرية على التكيف. فضغوط العمل، وتوقعات المجتمع، والمقارنات المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، جعلت الإنسان يعيش تحت ضغطٍ دائم ليبدو بخير، حتى وإن كان يحمل في داخله معارك صامتة.
إن أخطر ما في الضجيج ليس ارتفاع الأصوات من حولنا، بل إنه قد يجعلنا نفقد القدرة على سماع صوتنا الداخلي. فقد يعتاد الإنسان الانشغال إلى درجة ينسى معها أن يسأل نفسه: كيف حال قلبي؟ ماذا يحتاج عقلي؟ هل أنا أعيش حياتي، أم أنني أحاول فقط مواكبة الآخرين؟
تشققات الروح لا تعني الضعف، بل هي رسائل إنسانية تخبرنا بأن النفس تحتاج إلى عناية، كما يحتاج الجسد إلى العلاج. فالروح التي تُهمل طويلًا قد تفقد قدرتها على الاحتمال، بينما الروح التي تجد مساحةً للراحة والتأمل والدعم تستعيد توازنها.
ومن المهم أن ندرك أن طلب المساندة النفسية ليس علامة عجز، بل هو دليل وعيٍ ومسؤولية تجاه الذات. فكما نراجع الطبيب عند الشعور بألمٍ في الجسد، نحتاج أحيانًا إلى من يساعدنا على فهم مشاعرنا وترميم ما أرهقته الأيام.
وفي عالمٍ يُعلّمنا كيف نُظهر السعادة، نحتاج أن نتعلم كيف نصنع السلام الداخلي. نحتاج إلى لحظات صمت نعيد فيها ترتيب أفكارنا، وإلى علاقاتٍ صادقة نشعر فيها بأننا مسموعون ومقبولون كما نحن.
فالإنسان ليس آلةً تستمر في العطاء دون توقف، بل هو روحٌ تحتاج إلى احتواء، وقلبٌ يحتاج إلى رحمة، ونفسٌ تحتاج إلى أن تُرى بعيدًا عن الأقنعة.
وفي خضم هذا الضجيج كله، ربما يكون أعظم انتصار نحققه لأنفسنا هو أن نعود إلى الاستماع لذلك الصوت الهادئ في داخلنا؛ الصوت الذي يقول: ما زلت هنا، وما زال بالإمكان أن أرمم ما انكسر.
الأخصائية النفسية والمدربة الاستشارية
خولة خميس البهلاوي
