خزائن الصمت وهمس الظلام

 

 

د. عبدالله بن سليمان المفرجي

في أغوار الذات، حيث تتشابك الأنوار والظلال، في أثوابٍ مُسْبَلَة، ثمّة خزائن لا تُفتح بمفاتيح الحديد الصلب، بل بمفاتيح من نور تضم أثمن ما يملك الإنسان في أعماقه: قناديل بصيرته، وجبال عزيمته، وينابيع حكمته، وأسرار همته، وكنوز معارفه وعلومه، لكنها تظل مؤصدة في صمت مطبق؛ لأن أصحابها فقدوا مفاتيحها، وتشتتت خطوطهم، وحارت مسالكهم، أو أقنعهم الواقفون على أبوابها بأنها خاوية، لا تُسمن ولا تُغني من جوع. ذابت تلك الجواهر في صمتٍ مُجلِّل، في مشهد مريب تنزف فيه الأَلِي في خفاء مُدوٍّ، حيث تتلاشى الأمجاد في غياهب النسيان الرنان، ولا يبقى سوى همس خافت، وهمهمة، وغمغمة في أعماق الظلام، لا يسمعها إلا من له أذن من نور، وقلب من يقين. ذلك الهمس المُدوِّي ليس لغوًا عابرًا، بل صرخة تطلقها الجواهر المهاجرة، والأَلِي النازفة، حين تغادر إلى حيث تجد من يحتضنها، تاركة فراغًا لا تملؤه الرياح العوالي، وثقبًا لا يسده الغبار، ويَعْجِزُ عَنْ رَتْقِهِ الرِّقَاعُ. هو أنين خافت لخزائن أُغلقت دون مستحقيها، أبوابها واسعة، وضاقت دونها الأرض بما رحبت، وأصبحت أرماسًا متساقطة، وحكاية أمم كانت تزخر بالجواهر النفسية، فذابت كنوزها، ونفدت ذخائرها، حين آثرت على تلك الجواهر أصواتًا عالية فارغة المضمون، وبدَّلت النهج السديد دروبًا ملتوية، ومسارات متلاحقة لا تهدي سالكًا، فتحولت من منارات تضيء الدروب إلى سراب بقيعة، ومن أوطان تحتضن الألماس إلى أراضٍ تذيبهم، وتنسفهم، وتطحنهم تحت التراب، في غياهب الجب.

ذلك الصمت الخفي ليس فراغًا، بل حوارًا خفيًّا رَقْراقًا بين العقل الواعي واللاواعي، بين الأنا المدركة والأنا المظلومة التي تهمس من زوايا الخزائن المغلقة، والأسرار المدفونة، والخبايا المكتومة، ولا يسمع همسها إلا من مارس الوعي بظلاله النفسية، وتجرأ على مواجهة جوانبه المظلمة والمضيئة، وأدرك أن النمو يبدأ من احتضان الظل، لا من إنكاره وتجاهله. إنها مسرح تعمل فيه البرمجة اللغوية العصبية بصمت في الخبايا المكتومة والخفايا المستورة، حيث تعيد الكلمات تشكيل المفاتيح المدفونة المرتجلة، والأفكار تبرمج الأقفال والمعتقدات عبر آليات التوثيق والتحقق، وتحدّد مصير الخزائن ومثواها الأخير. فكل قفل كلمة تفتحه، ولكل صمت همس يوقظه، ويطرق بابه، ولكل ظلام خيط من نور يخترقه، إذا ما عرف سَدَنَةُ الخزانة كيف يوازنون بين مثلث عقلهم، فيوجّهون أفكارهم نحو اليقين، ومشاعرهم نحو الطمأنينة، وسلوكهم نحو الخلق. وحملة الأختام المتوهجة، الذين يقفون على الأبواب العاتية، لا يبصرون ما وراءها؛ لأنهم ألفوا النظر إلى الأغلفة دون الجواهر النفسية، وإلى الألقاب الرنانة دون المضامين الأصلية، وإلى الأصوات العالية الصاخبة دون الأنوار الخافتة التي تهمس من تحت الرماد، فيظنون أن الألماس الذي يلمع في أيديهم هو الألماس الحقيقي، فلا يكلفون أنفسهم عناء فتح ما أغلقه آباؤهم، وسجروه تحت الثرى، ولا ينتبهون إلى أن القناديل المطفأة حولهم، والتي قد تكون هي التي أضاءت دروبًا عظيمة شامخة في سالف الأيام وصروف السنين، فتستحكم الأقفال، وتتضاعف الخيوط المظلمة حول الخزائن، ويصير الهمس الخافت نداءً لا يصل إلا إلى القلوب التي تعرف لغة الإشارات الخفية، كغصن رقيق، بها الضياء يستنير.

وفي هدي السماء نجد النور الإلهي، الذي يبدد ديجور العتمة، حين خرج النبي الأمي ﷺ من أمة أمية بكتاب يتحدى البلغاء والفصحاء، ليصنع من رعاة الإبل قادة حضارة، وربان أمة، ودعاة ديانة، فكانت تلك الرسالة إيذانًا بفتح خزائن لم تُفتح بعد، وإيقاد قناديل كانت في غياهب الجب المظلمة. وهنا أتذكر كلام الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه في حضرة رستم قائد الفرس: «نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة». وإذا تأملت سيرته ﷺ في مكة، رأيت مشاهد الهمس في الظلام: مؤمنون يهمسون بالإيمان في أرجاء مكة سرًّا وجهرًا، تحت وطأة الجلاد والنار، وكأنهم يناغون ظلامًا واعدًا بأن النصر آتٍ لا محالة، وأن الخزائن ستفتح بإذن ربها. ثم جاءت الهجرة النبوية، نقلة من خزائن الصمت المغلقة إلى فضاءات النور المفتوحة المشرقة، حين استصحب الصديق ذا الرأي والمشورة، واستخلف عليًّا المرتضى ذا البسالة والبيان، واستدل في طريقه بابن أريقط الخبير، رغم شركه، فلم يتوقف عند دينه؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها، والبصيرة لا تقف عند القشور فحسب، والنهج السديد يطلب الخبرة والكفاءة حيث كانتا، ولو في غير دينك. وحين وصل ﷺ إلى المدينة، بنى المسجد مركزًا للعبادة والتعليم والإدارة والاجتماع والمشورة، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وكتب وثيقة مفصلة نظمت العلاقات على أساس الحقوق والواجبات، وأدرك أن بناء الدول يبدأ ببناء الإنسان أولًا، فكان يوزع المهام بحسب القدرات، ويأخذ بيد كل ذي بصيرة، ويضعه في موضعه الصحيح، ففتح بذلك خزائن أمته من أقفالها العتية، وأخرج جواهرها المدفونة، وأعاد إيقاد قناديلها المطفأة تحت رماد الجاهلية الصاخبة.

وتأمل كيف تحولت بعض تلك البقاع الفَيْحاء الأَرِيضَة الغَدِقَة، التي كانت أجدب الأرض، إلى منارات للعلم والمعرفة، حين استثمرت في الإنسان، وفتحت خزائنها للآلئ الثمينة، وأعادت نبعها إلى فيضانه وتدفقه، وجبلها إلى شموخه وخضرته، فأدركت أن الثروة الحقيقية تكمن في الجواهر المدفونة، لا في باطن الأرض، وأن البناء الحق لا يقوم إلا بتقدير الجواهر النفسية، وتنزيل الأَلِي منازلها المرتقبة، فاستحقوا الريادة في العالم، وتحولت صحاريهم واحات خضراء وارفة، وأصبحوا قبلة للجواهر المهاجرة. وفي المقابل، أمم استيقظت فوجدت خزائنها خاوية على عروشها، وقد كانت تظن أنها تملك كل شيء في حوزتها، فلما أهملت جواهرها النبيلة، وذابت كنوزها، صارت كالقبور الروامس التي لا حياة فيها ولا أثر يُذكر.

غير أن ثمّة فصلًا جديدًا، حين تقف الأَلِي المسبوكة أمام حاملي الأختام المسبوكة، فتصطدم بجدار من الاستعلاء الصاخب البارد، وابتسامة التهكم، وكأنها تسمع في صمت مطبق أن الشهادات الأكاديمية لا تصنع الجواهر النفسية، وأن من يملك الدرجة العلمية لا يملك الرؤية، فيقاطعونها بأسلوب مهذب صامت، لكنه قاتل، فتعود وقد طوت جناحيها، وأطفئت قناديلها، وأغلقت خزائنها. وفي لوحة أخرى، ترى الأَلِي المسبوكة قرينًا لها يمر بجوارها وكأنه لا يراها، فتحاول مشاركته رؤيتها، فيقابلها ببرود الجلمود الصلب، وكأنما يقول لها: أنت مجرد رقم لا يعني لنا شيئًا، وليست الجواهر في مسارح الأعمال وحدها من تنجز المهمات العظيمة، بل الخيوط التي لا تُرى بالعين المجردة، والمحسوبية التي تمشي على وجل بأقدام صامتة. وهنا يتجلى الوجه الآخر العاتم للهمس في الظلام، ليس همس الجواهر النفسية وهي تغادر بصمت، بل همس الأَلِي المنكوبة وهي تصمد وتواجه القهر الصامت، تهمس في نفسها: أنا هنا؛ لأنني أؤمن بأن النور سيأتي من جديد، وأن القناديل ستعاد إيقادها مرة أخرى، وأنني لن أترك خزائني تُغلق في وجهي مهما طال الزمن، وقست الظروف. تهمس بأن الأمم لا تبنيها الألقاب وحدها، بل الجواهر التي تشرق مهما حوصرت بالسياط والقهر، والأَلِي التي تنير مهما أطفئت، والنهج السديد الذي لا يعوج مهما حاولت الرياح أن تثنيه عن طريقه السديد.

وفي عالمنا هذا، حيث تتزاحم التقنيات الحديثة بخيلها ورجلها، تبقى الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي، والميتافيرس، وأدوات الأمن السيبراني، ليست سوى قناديل مسرجة تحتاج إلى من يوقدها، والقوانين، والتربية، والإدارة، والاقتصاد، ليست سوى أدوات تحتاج إلى من يوجهها بعقل وفكر واعٍ. فمن يفتح خزائنه، ويصغي إلى همس الظلام، ويستخرج جواهره المسبوكة الثمينة، ويوازن بين مثلث عقله، ويمارس الوعي بظلاله الواعية، ويعيد برمجة معتقداته الرصينة، ويحوّل إحباطاته المتوالية إلى إبداع، استحق البقاء والخلود. ومن يغفلها، ويترك خزائنه مؤصدة، ويذيب جواهره الثمينة، وينزف الأَلِي المدفونة، يظل في غياهب الجب، في ظلمات بحر لجي لا يبصر. وهذه حقيقة لا تزول ولا تندثر، تبقى شاهدًا على أن الأمم لا تقوم إلا بجواهر تبصر، وأَلِي تنير، ونهج مستقيم لا يعوج، ولا ينحرف قيد أنملة، وأن الخزائن لا تُفتح إلا لمن له أذن تسمع همس الظلام، وقلب يدرك أسرار الصمت، ويفرق بين الثرى والثريا، وعقل يعرف كيف يستخرج الجواهر النفسية من غياهب الجب، فيضيء بها دروبه المظلمة في ديجور الظلام، ويروي بها ظمأه، وتشمخ بها همته نحو معالي القمم، ويمتد بها جسره إلى آفاق عالية لا تحدها حدود، فذلك هو الفلاح الذي لا يزول، والمصير الذي لا يفنى.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z