نظرية هرم الشكوك وعلاقتها بالتعصب الديني

 

 

د. محمود البلوشي

بداية المشكلة عند الفرد البشري تبدأ منذ نشأته الأولى، حسب رأي العالم دانييل فريمان، الذي قسم هذه النظرية إلى عدة مستويات تتدرج من الطبيعي، من أسفل الهرم، إلى قمته التي تنتهي بزيارة الطبيب النفسي، وهذا هو حال العديد من البشر الذين فعلًا ينتهي بهم المطاف إلى زيارة الطبيب النفسي.

وسيكون حديثي مقتصرًا على العديد من الشعوب الإسلامية وحالات التعصب الديني التي تعيشها، حيث لا يتسبب التدين السليم أو الفهم الصحيح للدين في اضطرابات نفسية، بل إن الدين الإسلامي، والفهم الصحيح له، يسهمان عادةً في الاستقرار النفسي للفرد. ومع ذلك، فإن الفهم الخاطئ للدين (مثل تبني مفاهيم مشوهة، والتطرف، والخوف المرضي من العقاب، والتدين الوسواسي) يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات نفسية حادة.

وهناك حالة تسمى (الوسواس القهري الديني)، وينتج هذا النوع عن فهم خاطئ يركز على العقاب المطلق، والترهيب، والوعيد بالنار، حيث تنتاب الفرد مجموعة من الشكوك والوساوس حول صحة عباداته، والطهارة، والصلاة، مما يخلق حالة من القلق الشديد المستمر، ناهيك عن عقدة الذنب المفرطة، حيث يتم تقديم الدين في صورة ترهيبية قاسية متجردة من الرحمة. فيعتقدون أن الدين مجموعة من السلاسل والقيود الحديدية يُقيَّد بها الإنسان منذ طفولته، ويعيش فوبيا منذ صغره بسياسة الترهيب وربط كل شيء بعقوبة النار وجهنم. هنا يظن الفرد، منذ صغره، بأن هذه السلاسل والقيود جزء لا يتجزأ من حياته.

وهذا ما تشكله المرحلة الثانية في الهرم، وهي الاعتقاد بمتلازمة الخوف، وأن كافة من حولنا يسخرون منا أو يضحكون علينا دون وجود أسباب لذلك. وهذا أمر طبيعي في المجتمعات وبين الأفراد، فليس من الضروري أن يحترمك ويحبك ويقدرك الجميع، كما أن ذلك لا يدل على أنهم يحتقرونك أو يكرهونك، أو أنك منبوذ لديهم. فهذا شعور داخلي نشأ لديك بسبب عوامل معينة ناتجة عن البيئة التي تعيش فيها، لأسباب متعلقة بالتربية، والمستوى التعليمي، والثقافي، والفكري، والخطاب الديني.

وفي المرحلة الثالثة، التي يشير إليها دانييل فريمان، يصل الفرد إلى مرحلة اليقين بأن كافة من حوله يسخرون منه، إلى أن ينتهي به المطاف أخيرًا في المصحة النفسية التي يرونها بيئة آمنة لهم.

وتعد الاضطرابات الذهنية، وفقدان التواصل مع الواقع، أو التعرض لهلاوس سمعية وبصرية، من أهم الأسباب التي يُودَع بموجبها المريض في المصحة النفسية، حيث يعاني حوالي شخص واحد من كل ثمانية أشخاص حول العالم (أي ما يعادل 13% من السكان) من اضطرابات نفسية متعددة الأسباب.

ولا يعد التعصب الديني مرضًا عقليًا أو جنونًا بالمعنى الطبي، بل هو حالة فكرية نفسية ناتجة عن عوامل اجتماعية وتربوية. ومع ذلك، يشترك مع بعض الاضطرابات النفسية في آلية الجمود العقلي وغياب المنطق، حيث يتشابه المتعصب دينيًا مع المصاب ببعض الاضطرابات النفسية في التمسك الأعمى بالأفكار ورفض النقاش. والفرق بينهما أن المتعصب دينيًا يتبع أيديولوجيا اجتماعية، بينما يعيش المريض النفسي في واقع وهمي فردي.

ويرى المتعصب دينيًا نفسه مالكًا للحقيقة المطلقة، مما يبرر له إقصاء الآخر. وهذه الحالة سبق أن أشرت إليها في مقال آخر بعنوان (تقديس الجهل)، حيث إن الجاهل يحشد من حوله أفرادًا وجماعات، ويعتبر أن قول المرشد كلام مقدس مطلق لا جدال فيه. وهذا السلوك يفسره علماء النفس على أنه دفاع نفسي، وليس خللًا عضويًا في الدماغ.

وقد صدرت فتوى من دار الإفتاء المصرية الشريفة تحذر بشدة من التعصب والتطرف الديني، واعتبرته، أي التعصب، انحرافًا عن منهج الله وسنة نبيه، معتبرة أن دين الإسلام دين يسر وسماحة ووسطية، وأحكامه لا تعرف التعصب والتطرف.

ولكن، وكما أشرت في بداية مقالي، فإن المشكلة الرئيسة لا تكمن في الدين، بل في الفهم الخاطئ للدين.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z