"الكتش" أبو ولاعة

 

 

عائض الأحمد

في حفلة شاي، أو جلسة قهوة، أو حتى في مؤتمرٍ متعدد الجنسيات، لم تستطع اللغة الرصينة، ولا المترجم الذي يجيد لغاتٍ عدة، أن يغيّرا من عفوية صاحبي، ذلك الرجل الذي يحمل من الخبرة أكثر من ثلاثين عامًا.

طُلب منه أن يتحدث أمام فريقه، فبدأ بعد الحمد والثناء قائلًا: العولمة، واختلاف الثقافات، لا يعنيان الانكفاء، كما أن البيروقراطية تُعدّ من أكبر معوقات اتخاذ القرار.

بدا الحاضرون وكأنهم يستمعون إلى شخصٍ لا يعرفونه؛ فهذه ليست اللغة التي اعتادوها منه.

نظر إليهم، وعدّل جلسته، ثم ابتسم وقال: "لكن... ما رأيكم في الكتش أبو ولاعة؟".

عندها تبدلت الوجوه، واتسعت الابتسامات، وعرفوا أن صاحبهم قد عاد بلغته التي يحبونها.

سألهم: من منكم يعرف كيف تعمل الولاعة المملوءة بالغاز؟ فأجابته الابتسامات قبل الكلمات.

قال: من أراد النور، لم يحتج إلا إلى أصغر شرارة. أما من ترك طاقتها تتبدد، فلن يبقَ له منها ما يحقق غايته.

ثم ختم قائلًا: نحن كذلك... فرق العمل، والمؤسسات، وحتى المجتمعات. ليس النجاح في كثرة الطاقة التي نملكها، بل في حسن توجيهها. فالشرارة الصغيرة قد تصنع أثرًا عظيمًا، أما الطاقة المهدرة فلا تُخلِّف إلا ضجيجًا بلا أثر. وليس بالضرورة أن تُحبَّ من تعمل معه، لكن من الضروري أن تحترمه؛ فالاحترام أولُ شرارةٍ تُشعل روح الفريق، ويسبق حبَّك لما تقوم به.

فمن منكم يُحسن الإمساك بـ"الكتش"، ومن منكم يكتفي بسرد الأحاديث والنظريات؟

في نهاية الأمر، لا تُقاس قيمة الإنسان بعدد المصطلحات التي يحفظها، بل بعدد الأفكار التي يحولها إلى واقع. فالحياة لا تكافئ أكثر المتحدثين، وإنما أكثر الفاعلين. والمؤسسات الحديثة لا تُدار بمن يكتفي بالتنظير، بل بمن يجمع بين المعرفة وخبرة الميدان؛ فواقع العمل لا يبحث عمّن يُكثر تقليب الصفحات، وإنما عمّن يُحسن قراءة الواقع وصناعة الأثر. فالكلمات، مهما بلغت فصاحتها، لا تُحدث فرقًا ما لم تتحول إلى ممارسة؛ فمن يُحسن الإمساك بنهج "الكتش"، سيحوّل الفكرة إلى عمل، والمعرفة إلى أثر.

لها...

ليست كل فكرةٍ عظيمةٍ بحاجةٍ إلى كلماتٍ عظيمة، فبعض العقول لا يفتح أبوابها إلا مفتاحٌ صغير، وبعض القلوب لا تلامسها إلا لغةٌ تعرفها. لذلك كانت البساطة، حين تصدر عن خبرة، أبلغ من فصاحةٍ لا تجد طريقها إلى الإنسان.

هذه لهم... فماذا عنك؟

شيءٌ من ذاته...

كان يعلم أن الحضور لن يتذكروا تعريف البيروقراطية بعد أيام، لكنهم سيتذكرون "الكتش" كلما أمسكوا بولاعة. فاختار أن يزرع صورةً في الذاكرة، بدلًا من أن يضيف مصطلحًا إلى النسيان. تلك هي خبرة الميدان؛ أن تعرف كيف تصل، لا أن تُثبت أنك تعرف.

نقد...

ليست المشكلة في المصطلحات؛ فهي أدواتٌ للمعرفة، وإنما فيمن يجعلها غايةً لا وسيلة. فحين تتحول اللغة إلى استعراض، يفقد الفكر رسالته، ويغدو رجالُ الميدان أكثرَ فصاحةً بما يصنعون، وأكثرَ تأثيرًا مما يقولون.

الأكثر قراءة

z