في اليوم الدولي لرفاه القضاء

 

 

د. محمد بن إبراهيم الزدجالي

يحتفي العالم في الخامس والعشرين من يوليو من كل عام باليوم العالمي لرفاه القضاء، تأكيدًا على أهمية مرفق القضاء، وتقديرًا للعاملين فيه.

وفي سلطنة عُمان، حظي مرفق القضاء بمكانة راسخة باعتباره إحدى السلطات التي تقوم عليها الدولة، وتضمن تحقيق العدالة، وحفظ الحقوق، وصون الحريات. ويمثل الاحتفاء بهذا اليوم تأكيدًا على أهمية توفير بيئة عمل داعمة تمكّن القضاة والعاملين في المنظومة العدلية من أداء رسالتهم باستقلال وكفاءة. ويشير مصطلح الرفاه هنا إلى أن يكون الإنسان في أحسن حالاته اجتماعيًا، وصحيًا، ونفسيًا، وعاطفيًا.

جميعنا نعلم أن في كل حكم يصدر، يقف قاضٍ يتحمل مسؤولية جسيمة، فالقضاء ليس وظيفة اعتيادية، بل رسالة نبيلة تتطلب النزاهة والاستقلال والحياد. ومع ذلك، يواجه القضاة وأعضاء الادعاء العام وسائر العاملين في المنظومة القضائية ضغوطًا مهنية ونفسية متزايدة، نتيجة كثافة القضايا وتعقيدها، وما يترتب على كل حكم من مسؤولية وتبعات.

ومن هنا برز مفهوم "رفاه القضاء" باعتباره أحد المفاهيم الحديثة التي تتجاوز الاهتمام بالصحة النفسية والجسدية، ليصبح ركيزة لتعزيز استقلال القضاء ونزاهته وكفاءة أدائه. فالعدالة لا تتحقق بالنصوص القانونية وحدها، بل أيضًا بتهيئة بيئة عمل تمكّن القاضي من أداء رسالته بثقة واتزان.

وعلى المستوى العالمي، نجد أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ولا سيما المادة (11)، أكدت أهمية اتخاذ التدابير اللازمة لتعزيز نزاهة السلطة القضائية وصون استقلالها، إدراكًا لأثر ذلك في حماية القضاء من أي تأثير غير مشروع، وترسيخ أعلى المعايير الأخلاقية والمهنية.

وفي سلطنة عُمان، انسجم مفهوم رفاه القضاء مع النهج الوطني الرامي إلى تطوير المنظومة العدلية وتعزيز استقلاليتها، باعتبارها استثمارًا في جودة الأحكام، وثقة المجتمع، وكفاءة المؤسسات القضائية. ومنذ بزوغ فجر النهضة الحديثة في عام 1970م، حظي مرفق القضاء بعناية متواصلة، شهد خلالها تطورًا مؤسسيًا وتشريعيًا، وتواصل هذا الاهتمام في العهد الزاهر لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- حيث أكد جلالته في خطابه السامي خلال افتتاح دور الانعقاد السنوي الأول للدورة الثامنة لمجلس عُمان، في 14 نوفمبر 2023م، أن مرفق القضاء يُعد ركنًا أساسيًا من أركان الدولة، وأن تطوير منظومته وتعزيزها بالقدرات البشرية يحظيان باهتمام جلالته؛ بما يضمن تحقيق العدالة الناجزة بكفاءة واقتدار.

وأتى المرسوم السلطاني رقم (35/2022) بشأن تنظيم إدارة شؤون القضاء، ليعزز استقلال السلطة القضائية، ويرفع كفاءة أدائها، ويُسهم في تحقيق العدالة الناجزة وترسيخ سيادة القانون.

ويُعد اليوم العالمي لرفاه القضاء مناسبة مهمة للتأكيد على أن العدالة منظومة متكاملة تقوم على الاستقلال والنزاهة والكفاءة، وأن الاستقرار المادي والمعنوي للعاملين في المنظومة العدلية يسهم في تعزيز ثقة المجتمع وازدهار الدولة، ولا شك أن هذا الاستقرار يقف حائلًا دون استغلال الوظيفة، أو محاولة التأثير على مسؤولياتها.

وبهذه المناسبة، نتوجه بالتهنئة إلى المقام السامي، رئيس المجلس الأعلى للقضاء، ونائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وأصحاب الفضيلة القضاة، وأعضاء الادعاء العام، تقديرًا لجهودهم في أداء رسالتهم السامية في حماية الحقوق وترسيخ سيادة القانون.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z