يوليو… حين بدأت عُمان كتابة فصلها الأجمل

 

 

عبدالله بن ناصر الرحبي**

هناك أيام لا يُقاس أثرها بعدد السنين التي مضت عليها، بل بما تركته في ذاكرة الشعوب من تحولات صنعت حاضرها ورسمت مستقبلها. ويظل الثالث والعشرون من يوليو أحد تلك التواريخ التي لا تمر على العُمانيين مرورًا عابرًا، لأنه اليوم الذي انطلقت معه مسيرة نهضة غيّرت وجه الوطن، وأعادت لعُمان مكانتها التي تستحقها بين الأمم.

لم يكن ذلك اليوم مجرد انتقال في الحكم، بل كان بداية مشروع حضاري آمن بالإنسان قبل كل شيء، وجعل من التنمية رسالة، ومن الدولة بيتًا يحتضن أبناءه، ومن المستقبل وعدًا يمكن تحقيقه بالإرادة والعمل.

وفي مثل هذا اليوم، تستحضر الذاكرة بكل وفاء المغفور له، بإذن الله تعالى، السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، القائد الذي ارتبط اسمه بأكبر مشروع نهضوي عرفته عُمان في تاريخها الحديث. فمن وطن كانت تحدياته كبيرة، صنع دولة حديثة امتدت فيها الطرق إلى الجبال والسهول، ووصلت المدارس والمستشفيات إلى مختلف الولايات، وانطلقت الجامعات، وتعززت مؤسسات الدولة، ووجد الإنسان العُماني فرصته ليكون شريكًا في صناعة وطنه.

ولم تكن عظمة السلطان قابوس، رحمه الله، في حجم ما أنجزه فحسب، بل في الرؤية التي غرسها، وفي الدولة التي بناها على أسس الاستقرار وسيادة القانون والاعتدال واحترام الإنسان. كما رسّخ سياسة خارجية اتسمت بالحكمة والاتزان، حتى أصبحت عُمان صوتًا للعقل، وجسرًا للحوار، وموضع ثقة واحترام في محيطها الإقليمي والدولي.

ومن أعظم ما يخلده التاريخ لهذا القائد، أنه لم يبنِ دولة لزمنه فقط، بل فكّر في مستقبلها، واختار بعين القائد الحكيم من يحمل الأمانة ويواصل المسيرة. فجاء انتقال الحكم نموذجًا في الاستقرار السياسي ورسوخ مؤسسات الدولة، ليبدأ عهد جديد بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله ورعاه، الذي واصل البناء على الأسس الراسخة، وأطلق نهضة متجددة تستلهم إرث الماضي وتستشرف آفاق المستقبل.

واليوم، تمضي عُمان بثقة نحو تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، واضعةً الإنسان في قلب التنمية، ومواصلةً الاستثمار في الاقتصاد، والتعليم، والابتكار، والبنية الأساسية، وتمكين الشباب، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يواكب التحولات العالمية ويحافظ، في الوقت نفسه، على الهوية الوطنية والقيم الأصيلة.

كما تواصل السياسة العُمانية نهجها المعروف القائم على الحكمة والحياد الإيجابي، واحترام سيادة الدول، وتغليب الحوار، والإسهام في ترسيخ الأمن والسلام، وهو نهج أصبح مصدر اعتزاز لكل عُماني، ومحط تقدير من الأشقاء والأصدقاء في مختلف أنحاء العالم.

إن استذكار الثالث والعشرين من يوليو ليس وقوفًا عند الماضي، بل هو استحضار لقصة وطن آمن بقيادته، ووثق بقدرات أبنائه، فأصبح نموذجًا في البناء الهادئ والتنمية المتوازنة. وهو أيضًا مناسبة لتجديد الوفاء لقائد خالد في وجدان شعبه، وللتأكيد أن النهضة ليست حدثًا ينتهي، بل مسيرة تتجدد مع كل جيل، وتحملها قيادة تؤمن بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن.

رحم الله السلطان قابوس بن سعيد، الذي سيبقى حضوره راسخًا في ذاكرة عُمان، بما تركه من منجزات وقيم وإرث وطني خالد. وحفظ الله جلالة السلطان هيثم بن طارق، وأعانه على مواصلة مسيرة الخير والنماء، لتبقى عُمان، كما عرفها العالم، وطن الحكمة، ودولة المؤسسات، وأرض السلام، ومنارةً للاعتدال والتعايش.

ففي الثالث والعشرين من يوليو، لا نستحضر التاريخ بوصفه ذكرى، بل بوصفه مسؤولية، نستمد منها العزم لمواصلة البناء، ونستذكر بها رجالًا صنعوا مجد الوطن، وقيادةً تواصل حمل الأمانة بثقة واقتدار، حتى تبقى عُمان كبيرة بتاريخها، راسخةً بدولتها، وعزيزةً بأبنائها، وماضيةً نحو مستقبل أكثر إشراقًا وازدهارًا.

 

**سفير سلطنة عُمان لدى جمهورية مصر العربية ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z