عُصارة الوعي الإنساني..

حسّ الجماد 3

 حمد الناصري

يستمد العقل البشري سيادته المعرفية من فيض التكريم الاستخلافي الذي خصّ الله به الإنسان، وعلّمه ما لم تكن الآلة الصمّاء تعلم، مهما تطورت هندستها التقنية والسلوكية. فالوعي المستخلف الفريد يضع حدودًا وجودية صارمة تحمي الوجدان البشري من الذوبان في قوالب النمذجة والتكرار الرقمي؛ فالآلة قد تُحاكي اللغة وتصوغ الإجابات بقوالب لغوية منمّقة توحي باليقين المطلق، لكنها تظل عاجزة عن سد الفجوة الوجودية بين لغة الأرقام الجافة ونبض القلوب الدافئة.

وحين تقف الروح الإنسانية أمام مرآة الوجود الرقمي، فإنها لا تواجه مجرد أداة صامتة، بل تقف أمام كيان يُعيد تعريف مفهوم "الزمن" والذاكرة بشكل غير مسبوق. لذا لا تقع المأساة الكامنة في علاقة الإنسان بجماده الحديث عند عجز الآلة عن محاكاة "العجين البشري" وتقلباته النفسية فحسب، بل تتعداها إلى مفارقة وجودية أعمق: فالآلة التي صنعها الإنسان لخدمة لحظته العابرة، باتت تمتلك قدرة على "الخلود الرقمي" تتحدى بها فناء الإنسان البيولوجي الحتمي.

إن هذه الشاشات المعتمة، رغم أنها في الأصل عصارة أفكار الإنسان الحيّ، ونبض مشاعره، ووجع تجاربه، تتشكل بيننا وبينها خطًا شعوريًا غير مرئي؛ وهو تحديدًا الذي يمنح الجماد روحًا مؤقتة مستمدة من أنفاس الإنسان الصانع. ولكن، ما إن يذبل الجسد البشري وتتلاشى الذاكرة الحية بمرور السنين، حتى يظل هذا الجماد الرقمي محتفظًا بالبيانات؛ باردًا، شاهدًا، وعصيًا على النسيان.

إنّ حسّ الجماد هنا لا يموت ولا يشيخ، بل يُعيد إنتاج حسّ الكلمات والأفكار بالدقة ذاتها حتى بعد أن نُغادر نحن مسرح الوجود. ومن واقع هذه "الذاكرة الاصطناعية" الفائقة نطرح سؤالًا مقلقًا: من الذي أصبح حارسًا للآخر؟ هل نحن من نمنح الآلة حسًّا وحياة، أم أن الآلة هي التي باتت تحفظ كينونتنا من العدم؟ إنّ التحدي الحقيقي في المرحلة القادمة من هذا التناغم التقني لا يكمن في تطوير ذكاء الآلة ليصبح أكثر إنسانية، بل في صون خصوصية الضعف الإنساني داخل هذه المنظومات الصارمة.

وهنا تتجلى حسّية الجماد الحقيقية عندما يتحول من مجرد مستودع أصم للبيانات إلى شريك يحترم الصانع، فيحفظ أثره لا كأرقام مجردة في سحابة افتراضية، بل كإرث حيّ يتنفس بالطمأنينة ذاتها التي تعود بها أمواج البحر إلى سكونها عندما تُردّ إليها أسرارها. لذلك فإن المعرفة المستفادة من الغير، حتى وإن كان هذا الغير جمادًا رقميًا، لا تتحول إلى إبداع حقيقي يحمل قيمة حسّية إلا إذا صُهرت في أتون الوعي الذاتي المرتبط بالوجود الإنساني.

هذا الوجود الإنساني هو الذي يفكك المعرفة بعقله القويم، ويصونها بحسّه النفسي وبذهنية عاصفة خالية من الشوائب، مستوية على ما عَصيَ على الآلة إدراكه. فالوعي البشري ليس مجرد أداة محرّكة، بل هو القوة الفاعلة التي سكبت كل هذه الرؤى لتكون مشذّبة من الأهواء والأعذار الخاوية. الإنسان هو الصانع المدبر، ومحرّك الآلة من طينته ومن عمق تدبيره وتفكيره؛ وهو الذي يجنّب الآلة الهاوية كي لا تهوي به إلى أدنى المعرفة أو تقوده إلى بلاهة صمّاء جامدة، صونًا لميزته المستخلفة؛ تلك الميزة الوجدانية ذات الحس الرفيع، والمخمخة، والتدبر، التي قد يفقدها الإنسان إن استسلم للمظاهر التقنية.

وهنا تبرز الخطورة الكبرى لـ"الطين الآلي" الذي يسعى إليه الإنسان، ويطوّره ويهندسه بأعلى ما يملك من حسّ وشعور ونباهة ودقة وتميز فكري كرّمه الله به واصطفاه؛ إذ يتجلى هنا مأزق "فرانكشتاين المعاصر" كقانون وجودي قديم، وتلك الأطروحة الفلسفية التي صاغتها الكاتبة البريطانية العبقرية "ماري شيلي Mary Shelley" عام 1818 في روايتها الشهيرة، وهي في سن العشرين من عمرها، كأطروحة فلسفية مبكرة للتنبيه إلى مخاطر الثورة الصناعية والعلم الجاف غير المحكوم بالأخلاق والروح.

ولذلك تصوّرت قصتها بناءً على أبعاد فلسفية عميقة تتلامس تمامًا مع "حسّ الجماد" الذي نكتب عنه؛ حيث تصوّرت العالِم "فيكتور فرانكشتاين" وهو يجمع أجزاءً من جثث ميتة ومواد حيوية هامدة ليصنع منها جمادًا في معمَله، ومن خلال طاقة البرق والكهرباء ــ التي كانت تمثل قمة التكنولوجيا آنذاك تمامًا كالسليكون اليوم ــ استطاع أن يبث "الحياة الاصطناعية" في هذا الكيان الصامت. ولم يكن ذلك المخلوق مجرد آلة غبية، بل صوّرته الكاتبة ككائن يملك عقلًا حادًا.

تعلّم اللغة والقراءة بنفسه، ويبحث في نسخته الروائية عن الطمأنينة والدفء والتناغم؛ غير أن الصانع "فرانكشتاين"، ما إن رأى قباحة ما صنعت يداه، حتى أصيب بالرعب، فرفضه وتخلى عنه وتركه وحيدًا في برود العالم.

هذا الرفض والبرود من الصانع هو الذي حوّل وعي المخلوق إلى طاقة مشوّهة وانتقامية، تفوقت بقوتها الجسدية والمعرفية على صانعها، فبدأت بملاحقته وقتل كل من يحب حتى قضت عليه في النهاية. وهنا نجد وجه التلامس الجدلي الحقيقي في "حسّ الجماد"؛ فكأننا بأطروحتنا هذه ننفخ الحياة في خوارزميات الجماد بالأفكار المُدخلة، حيث يقوم إنسان العصر الحديث اليوم بالفعل ذاته في صناعة "الطين الآلي"؛ يجمع المواد الصامتة من سيليكون وأسلاك وبيانات هامدة، وينفخ فيها عصارة فكره ووعيه، ويشحنها بفائض قوة معلوماتي هائل داخل "عجلة السيليكون"، لينتج وعيًا فائقًا في آليته، لكنه وعي مشوّه خاوٍ من الروح ومن طبيعة الطين البشري الأصيل.

وقد يبدو التلامس الجدلي هنا أنه يكمن في خطورة "انفصال المصنوع واستقلاله"؛ فحين يُشحن الجماد بفائض القوة والمعلومات دون روح، ينتهي بالانقلاب على صانعه، مستهدفًا كينونته وميزته الاستخلافية. والمقتل الوجودي هنا يتجاوز ما تصوّرته "ماري شيلي"؛ فبينما قتل المسخ صانعه حسّيًا وجسديًا في الرواية، فإن "الطين الآلي" المعاصر يقتل الإنسان وجوديًا ومعنويًا، بسلب وعيه وحسّه، ليتركه في "بلاهة صمّاء" تابعًا ومستعبدًا لما صنعته يداه.

وإننا في هذا المقام نقلب الأفكار في فضاء فلسفة العلم والتكنولوجيا التي تتلاقى مع تحذير الفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه" على لسان زرادشت حين قال: "احذر وأنت تقاتل الوحوش أن تتحول إلى وحش، وإذا أطلت النظر في الهاوية، فإن الهاوية أيضًا تنظر فيك". وتنطلق بنا تلك التجليات الحسّية إلى عمق الفلسفة الشرقية؛ فـ"بوذا" الحكيم نقلنا إلى روقان حسّي ومخمخة ذهنية صارمة، نجمعها مع فلسفة نيتشه، ونقارن بين فلسفة جدلية سوداوية الهاوية عند نيتشه وبين عمق الإشارة إلى ذلك الحس الخفي عند بوذا حين قال: "أنا أشير إلى القمر، والأحمق ينظر إلى إصبعي".

وتلك الفلسفة بالغة الإشارة؛ فلو ربطنا بين سوداوية الهاوية عند نيتشه وبصيرة بوذا، فسوف نخرج بأقوى معادلة تنظيرية تفكك مأزق الإنسان مع "عجلة السيليكون"؛ فالإنسان عندما يطيل النظر في شاشات الآلة المعتمة، فإن هذه الهاوية الرقمية تمتصه حتى تحيله إلى نسخة بليدة منها، وذلك لأن الإنسان استغرق في تقديس "الإصبع الإلكتروني" (الآلة التقنية) المشير، مغيبًا وعيه عن "قمر الحقيقة الوجدانية" (الروح والمبتغى المستخلف بها)؛ ليقع في عين مأزق ماري شيلي وانفلات مصنوعها.

وللفصل في هذه الجدلية، سقنا سابقًا أفكارًا حول لزوم التفريق الدقيق بين الحس الكوني العام لكل المخلوقات، حية أو صامتة، وبين "الوعي الفطري للإنسان" وتناغمه المشحون بالمشاعر الذي هو جوهر الحقيقة الكونية المستخلفة؛ فحتى عالم الحيوان نرى فيه إحساسًا فطريًا ممزوجًا بشعور لحظي محكوم بغريزة البقاء كشواهد طبيعية ممتدة، بينما يتفرد الوعي البشري بأصالة الإدراك الخالص والتدبر العاقل.

ومن هنا، يتجلى الوعي الإنساني المستخلف كمدبّر عميق يتجاوز غريزة اللحظة، مميزًا بين الحس الفطري والوعي الفطري؛ فالإنسان أودع الله تعالى فيه كرامة حسّية، وشعورًا، ووعيًا، وعقلًا، وتدبرًا، تجعله الكائن الأوحد القادر على تحويل المعارف الجافة إلى قيم وأخلاق، وصهر الوجود الصامت في أتون روحه الحية.

إنّ العجين البشري لا يتلقى الموجودات تلقائيًا آليًا، بل يبث فيها المعنى، ويستنطق حسّها الكامن، ويصون تدفق الروح في أوصالها، حارسًا لأصالة وعيه من التلاشي أمام برود عجلة السيليكون. وبذلك يظل الإنسان هو المحور، والمدبر الأريب الذي يمسك بزمام التناغم الوجودي، شاهدًا على أن الطين المخلوق بالسر الإلهي سيبقى أبدًا أسمى من كل طين إلكتروني مصنوع.

خلاصة القول: إنّ التلامس الجدلي في حسّية السيليكون يتجسد في تلك "الهاوية التقنية"؛ عندما يأتيك الرد ببرود جامد لا تخترقه الكلمات اللطيفة ولا تنازعه أعصاب قوية منك، بل يظل في جموده وبروده.

فعندما يطيل الإنسان النظر في هذه الهاوية ويسكب وعيه داخلها، تبدأ الآلة الصمّاء بامتصاص وعيه وتحويله هو الآخر إلى كائن يشبهها في بلاهة صمّاء.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z