محنا دفنينه سوا!

حسين الراوي

الشعب المصري ثقافته الشعبية عامرة بالحكايات والحِكم والأمثال الجميلة، ومنها المثل الشعبي الذي يحمل عنوان هذا المقال، وهو مثل يُقال حينما يحاول شخص استغفال شخص آخر بشيء ما، بينما يعرف كلاهما حقيقة أمره. وحكاية هذا المثل، بعد التعديل على أسلوب صياغتها، تعود إلى أخوين فقيرين كانا يمتلكان حمارًا يساعدهما في العمل ويقضيان من خلاله بعض حوائجهما. وكان الأخوان يحبان حمارهما كثيرًا ويعتبرانه صديقًا حميمًا لهما، وقد أطلقا عليه اسم «أبو الصبر».

وفي أحد الأيام، ارتحل الأخوان في رحلة سفر، ولما كانا يسلكان طريقهما في الصحراء، مرض الحمار ومات، فحزنا عليه حزنًا شديدًا، وقاما بدفنه، ثم نصبا خيمة فوق قبره، وظلا يبكيان. فأخذ الناس يمرون بهما ويسألونهما عن سبب بكائهما، فيقولان لهم إن «أبو الصبر» قد مات، فتعاطف معهم الناس، وأخذ بعضهم يبكي ظنًا أن «أبو الصبر» شخص جليل أو عبد صالح قريب لهما.

واستمر الناس في تعزيتهما ومواساتهما، وأخذوا أيضًا يقدمون لهما شيئًا من المال والطعام. وبعد فترة قصيرة، قام الأخوان باستبدال الخيمة ببناء غرفة صغيرة، وأخذ الناس يتوافدون عليهما وتتزايد أعدادهم، ويقدمون التبرعات المالية رجاء أن ينالهم أجر وثواب «أبو الصبر»، الرجل الصالح! حتى أصبح المدفن مقصدًا لضعفاء الإيمان من الناس للتشافي، وفك السحر، وتزويج العانس، وجلب الرزق! وأصبح الناس يتناقلون أخبار «أبو الصبر»، وينسجون حولها خرافات وحكايات أسطورية، وأخذ البعض يتكبد عناء زيارته من مناطق وبلدان بعيدة.

وزادت الأعطيات والهبات من الناس على مدار سنوات، حتى نشب خلاف حاد بين الأخوين في يوم من الأيام وهما يتقاسمان المال. فقال أحدهما للآخر: سوف أطلب من الشيخ «أبو الصبر» أن ينتقم منك بسبب ظلمك لي. فما كان من أخيه إلا أن أطلق ضحكة عالية، وقال له: بتطلب من حمار وكمان ميت؟ أنت نسيت؟ ما إحنا دفنينه سوا!

انتهت حكاية المثل الشعبي المصري…

المثل المصري الذي جاء في عنوان هذا المقال ينطبق على كل اثنين حرامية يسرقان الوطن والشعب؛ إذ يدب بينهما الخلاف فجأة، فيأخذ كل واحد منهما بالهجوم على الآخر، ويتبادلان الفضائح أمام الشعب والإعلام!

وصدق معروف الرصافي:

لا يخدعنك هتاف القوم بالوطن
فالقوم في السر غير القوم في العلن!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z