عندما يصبح الذكاء الاصطناعي موظفاً.. من سيُدير البشر؟

 

 

بقلم: مؤيد الزعبي

تخيل معي عزيزي القارئ هذا السيناريو الافتراضي، تخيل أن تستيقظ فتفتح هاتفك لتجد رسالة من مساعدك الذكي تقول: «صباح الخير، لقد ألغيت اجتماعك غير الضروري وأعدت جدولة موعد الطبيب، وتفاوضت على عقد إيجار بيتك الجديد، ورفضت عرضًا وظيفيًا لأن راتبه أقل من قيمتك السوقية، لتسأله: وماذا عن اجتماع الإدارة؟ فيجيبك: حضرتُه نيابةً عنك وعرضت البيانات وأجبت عن الأسئلة، ووافقت على خطة العمل بعد تحليل عشرات السيناريوهات، ثم تسأله متهكماً وماذا فعلت أنا اليوم؟ فيجيبك: كنتَ مشغولًا بالتفكير!، أي تفكير لا تعلم ولماذا تفكر ومساعدك يقوم بكل شيء يخصك شخصياً وعملياً!!.

 

قد يبدو هذا المشهد خياليًا، لكنه ربما لا يبتعد كثيرًا عن المستقبل الذي يتشكل أمامنا، فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة نستخدمها لكتابة نص أو تلخيص تقرير أو انتاج صورة أو فيديو، فمع تسارع التطور في نماذج وكلاء الذكاء الاصطناعي والتي باتت يستطيع فيها فهم الهدف ووضع خطة وتنفيذ سلسلة من المهام، ثم العودة إلينا بالنتيجة، فنحن ننتقل تدريجيًا من عصر اسأل الذكاء الاصطناعي إلى عصر دع الذكاء الاصطناعي يتصرف نيابةً عنك.

 

عزيزي القارئ، اعتدنا طوال مئات السنين أن يكون الموظف أو العامل هو من يتلقى التعليمات، وأن يستخدم الحاسوب أو أدواته الحرفية لإنجاز عمله، لكن المستقبل قد يجعل الموظف مديرًا لفريق كامل من الموظفين الرقميين أو لقسم كامل من وكلاء الذكاء الاصطناعي، وكيل يبحث، وآخر يحلل، وثالث يكتب، ورابع يتفاوض، وخامس يراقب السوق وسادس ينفذ ويتخذ القرارات ويتصرف، فوفق تقرير «مؤشر اتجاهات العمل 2025» من مايكروسوفت، يتوقع 41% من قادة الأعمال أن يقوم الموظفون بتدريب وكلاء الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يتوقع 36% منهم أن يدير الموظفون هذه الوكلاء، إذن نحن نتحدث عن تغيير جذي في بنية وقواعد العمل والوظائف، فهل نحن مدركون لمثل هذه المتغيرات أو بشكل أدق هل مستعدون لها؟، أشك في ذلك.

 

المفارقة الغريبة أن الذكاء الاصطناعي قد يجعل الإنسان أكثر قوة ومعرفة، وفي الوقت نفسه أكثر اعتمادًا عليه، إذن من الذي سيقود في هذه الحالة، فالموظف المبتدئ يستطيع بمساعدة الذكاء الاصطناعي إنجاز أعمال كانت تحتاج سنوات من الخبرة، لكنه قد يفقد الطريق التقليدي الذي كان يكتسب من خلاله تلك الخبرة، وقد نصل إلى جيل يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يعرف كيف يعمل من دونه، إذن ربما سنصبح موظفين تحت إشراف الذكاء الاصطناعي بعكس أن نكون نحن كبشر من نقود فرق الذكاء الاصطناعي وفي كلتا الحالتين نحن غير مستعدون لذلك، لا من حيث بنيتنا المؤسسية ولا من حيث خبراتنا كموارد بشرية أو حتى تقنية.

 

عزيزي القارئ لا تستغرب إن قلت لك بأنني لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الموظفين؟ فهذا السؤال أصبح قديمًا، السؤال الأهم هو من سيقود الذكاء الاصطناعي عندما يصبح موظفاً؟ ومن سيحدد طبيعة عمله داخل شركاتنا ومؤسساتنا؟ ومن سيتحمل المسؤولية عندما يخطئ؟ فالمستقبل لن يكون بالضرورة عالمًا تختفي فيه الوظائف، بل عالمًا تتغير فيه طبيعة العمل بسرعة تفوق قدرة كثير من الناس على التكيف.

 

المعركة الحقيقية القادمة لن تكون بين الإنسان والآلة، بل بين الإنسان الذي يعرف كيف يوجه الآلة، والإنسان الذي يترك الآلة توجهه، وربما، بعد سنوات من الآن، لن يكون السؤال في نهاية يوم العمل: ماذا أنجزت اليوم؟، بل: ما القرارات التي تركت الذكاء الاصطناعي يتخذها نيابةً عني؟ وعندها عزيزي القارئ قد نكتشف أن الذكاء الاصطناعي لم يصبح موظفًا لدينا فقط، بل أصبح مديرًا لطريقة عملنا ووقتنا وقراراتنا، وهنا سيظهر السؤال الأكثر إزعاجًا: من هو الإنسان الذي يملك الذكاء الاصطناعي الذي يدير البشر؟.

كما عودتك دائما أنا أطرح الفكرة أو السيناريو المستقبلي، وأنت عليك أن تختار عزيزي القارئ في أي جهة تكون، فإما تكون ممن يديرون الذكاء الاصطناعي أو من يديرهم الذكاء الاصطناعي، فنحن أمام مفترق طرق وكلما خسرت مهاراتك وجعلت الذكاء الاصطناعي هو من يعمل بدلاً عنك فكن على يقين بأنه سيأتي اليوم الذي يقودك فيه، وفي أحسن الأحوال ستكون أسيراً لخدماته فأنت لا تستطيع أن تنجز شيئا ولا تستطيع أن تقرر شيئا دون مشورة الخوارزميات، وأنا هنا لا أطالبك بأن تعتزل الذكاء الاصطناعي بل أن تكون أكثر إنصافاً بحق مهاراتك وتعليمك وما تستطيع كإنسان أن تفعله.

الأكثر قراءة

z