حمد الناصري
ينبثق الوعي الإنساني من فجوة التماس الحاد بين المادة والروح، حيث تحول آلية "اللفظ" الكثافة الفيزيائية الصامتة للموجودات إلى معنى ذهني عبر "أداة الترسيم" التي تنتزع الشيء من حياده الكوني إلى معترك الفكر. وتكتمل هذه الجدلية المعرفية بتدفق وجداني حسي يضفي الدفء على تجربة الوجود، مستدعياً السكينة واليقظة الإدراكية.
إنّ هذه الحاجة الروحية المتأصلة لإيجاد ملاذ وجداني تلامس أوتارها نصوص الوحي الإلهي وحكم الأولين، بيد أنها تتخذ شكلاً صراعياً في أتون السجال الفلسفي عبر التاريخ؛ حيث تباينت المدارس في تفسير هذه الجدلية. ففي الوقت الذي انطلق فيه أفلاطون في محاورة "كراتيلوس"* ليؤسس للمثل المفارقة، معتبراً أن الروح تتذكر أصلها النوراني بالتسامي العقلي والترفع التام عن الحواس التي يراها قيداً مادياً؛ نجد في مقابل ذلك الفكر — ومن خلال قراءتنا العميقة لهذا التباين المعرفي — أن الفلسفة الإشراقية والصوفية تنحاز للحواس الباطنية كأدوات كشفية تُذيب جفاف المنطق. هذا التباين يضعنا أمام مفترق طرق فكري؛ إذ إن الوقوف الحائر بين هذين الخوفين لا يمنح الوعي يقيناً عقدياً ثابتاً، بل يضعه على عتبة قلق وجودي. والسؤال الذي نطرحه لزاماً: كيف يقف الوعي حائراً بين خوفين: "خوف الجفاف العقلي، وخوف الانزلاق الروحي"؟ إنها مساحة برزخية فاصلة يبحث الوعي في رحابها عن تناغم وجداني، يُمكن تعريفها بأنها آلية دفاع سيكولوجية تحمي السكينة وتبدد التردد؛ ذلك لأن الوقوف — هنا — بين خوفين لا يمكن أن يمنح الإنسان يقيناً عقدياً.
ويأتي أرسطو في كتابه "في النفس" ليضع معماراً دقيقاً يربط فيه بين "الحس المشترك" والقدرة على التخيل، مؤكداً أن العقل لا يمكنه التفكير دون صور حسية تنبثق من التجربة الواقعية؛ فالإدراك لديه هو حاصل انتزاع الوعي البشري لصورة الشيء من مادته. ولم تبتعد الفلسفة في مرحلتها التاريخية والفكرية اللاحقة بعد وفاة الإسكندر الأكبر (عام 323 قبل الميلاد)، بل استمرت حتى صُعود الإمبراطورية الرومانية عن هذا السياق الموازن؛ فالسعي الفلسفي القديم انساق نحو التوازن ليلتقي في أبعاده الغائية مع مقاصد الرسالة الخاتمة؛ فالقرآن الكريم يفيض بالمعاني الروحية والوجدانية التي تُحَصّن الوعي البشري، فجعل من انشراح الصدر والسكينة آليات واقعية يعيشها الجسد والروح؛ ونقرأ في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4]، ليزدادوا إيماناً، دفق حِس وجداني يتناغم مع مشاعر الإنسان.. ونجد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس: 57]؛ وهنا تتكثف السكينة في قِيم المحبة المطلقة والسلام الداخلي الذي يعلو فوق جفاف المادية الصارمة. ليست سكينة فحسب بل انشراح في الصدر، وسرور بالغ، مستقرّهُ تناغم المشاعر مع الحِس الوجداني، ليخرج لنا بأرقى حالة شعورية وهي النقاء، لخّصَه ربّ العزة في قوله: {وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ}، أي خروج كل عِلة.
وفي عصرنا الحديث، اصطدم هذا التدفق الوجداني النبيل بموجة من التسليع والتشويه المعرفي، مما دفع باحثين ومتخصصين معاصرين إلى إطلاق صرخات تحذيرية من داخل هذا الاشتباك الفكري. حيث تداولت المنصات الرقمية مقاطع مرئية مصورة للمحاضرة الفكرية الكبرى التي ألقاها الدكتور سيف الهادي في مايو 2026م بالقاعة الكبرى في جامعة السلطان قابوس، المعنونة بـ "مفهوم الخلاص بين الغيب والمادة"، والتي فكك من خلالها بصرامة الجذور الفلسفية لما يُطرح تحت مسمى علوم الطاقة، محذراً من أن "حركة العصر الجديد" استلهمت هذه الأطروحات من الهندوسية والبوذية والطاوية لتسويقها كـ "روحانيات بديلة" مفرغة من سياقها التاريخي.
وقد انصب انتقاد الدكتور سيف الهادي الأساسي على خطورة المنزلق المعرفي الذي يدمج الوعي الإنساني في "وعي كوني" أو "طاقة مطلقة مزعومة"، مبيناً أن هذا المسار يستبدل علاقة العبودية والدعاء الخالص لله بحلول غامضة. وفي ذات السياق المشهود، جاءت الشهادة المدوية لمدربة اليوغا الدكتورة فرح القدسي لتعلن اعتزالها، مؤكطة أن اليوغا تتضمن طقوساً مغلفة بأبعاد عقدية قديمة؛ تحمل في طيات وضعياتها الجسدية الكلاسيكية الثابتة المعروفة بـ (الأساناز)** وهي دلالات قطعية على الخضوع والاسترضاء، مما يجعل تسويقها اليوم كعلم مجرد خروجاً عن النور الفطري، ويشكل خطراً حقيقياً على سلامة العقيدة ونقاء الوعي الإنساني وتوازنه.
إن استدعاء هذه الشواهد التحليلية الصارمة من أطروحات العلماء والباحثين لا يتنافى مطلقاً مع جدلية فيض المشاعر الوجدانية أو عُمق الوعي الإنساني، بل إن المحاكمة العقلية الرصينة تصوّب الحقيقة، وهنا نضع الفصل الحاسم: إن التحذير الفكري لا يستهدف تجريم لحظات السكينة، أو تمارين التنفس، أو الخلوة الطاردة لصخب المادة التي ناقشتها الفلسفات القديمة وعززها الوحي، بل ينصب على الممارسات حين تتجاوز أبعادها الطبيعية لتغدو خطراً عقائدياً وتصادم قيم اليقين والتوحيد. فالإشكال الحقيقي يكمن في "الاختطاف التجاري والتحريف المعرفي"؛ حين يتم تحويل التوق الروحي الفطري تجاه العوالم غير المنظورة ومشاعرنا الدفيئة إلى قوالب تجارية زائفة تبيع الوهم وتستنزف الأموال، أو حين تُلبس أردية علمية مشوهة لتغييب عقل الإنسان وتعطيله عن الأخذ بالأسباب الواقعية والطب الحقيقي.
خُلاصة القول: إنّ المعرفة البشرية الأسمى لا تتحقق بالانغماس التام في مادية الأشياء الصمّاء، ولا بالارتماء في أحضان أوهام الطاقة الكونية الزائفة. فالإنسان المتوازن هو من يسكن العالم بكلماته وحِسه الشاعري، مسترشداً بهداية الوحي القرآني ويقينه، ومستفيداً من تجارب الفكر الفلسفي والجُهد الإنساني النقي؛ لتظل تلك الدفقات الوجدانية مُسَخّرة لتعميق الإيمان وتطهير الحواس تحت ظِلال السكينة الحقة، ليبقى الوعي دائماً منيراً دافئاً ومحصّناً ضِد كل زيف.
· هوامش المقال:
· كراتيلوس (Cratylus): هو فيلسوف إغريقي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وتنسب إليه محاورة أفلاطون الشهيرة في فلسفة اللغة والأسماء.
· الأساناز (Asanas): هي الوضعيات والحركات الجسدية الثابتة في ممارسة اليوغا، وتُستخدم للتحكم في الجسم وتوجيهه نحو التأمل.
