بدرية الجساسي
في كل أربع سنوات، تتوقف عقارب الزمن عند بطولة كأس العالم، ويغدو المستطيل الأخضر مسرحًا تتجه إليه أنظار المليارات، فتعلو الهتافات، وتُرفع الأعلام، وتُكتب قصص الانتصار والانكسار. وليس في الإسلام ما يمنع الإنسان من الترويح عن نفسه أو الاستمتاع بالمنافسة الرياضية؛ فالنفوس جبلت على حب الجمال والتحدي والإبداع.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يرافق هذا الشغف هو: من يقود الآخر؟ هل نقود اهتماماتنا بعقيدتنا وقيمنا، أم تقودنا موجات الحماس حتى تنسينا أولوياتنا؟
إن العقيدة في الإسلام ليست مجرد شعائر تؤدى، بل هي منهج حياة يصنع ميزان الاهتمام، ويحدد سلم الأولويات، ويجعل المسلم حاضر القلب تجاه قضايا أمته والإنسانية. ولذلك فإن متابعة بطولة عالمية ينبغي ألا تتحول إلى انشغال يطغى على الواجبات، أو يذيب الهوية، أو يجعل الإنسان ينسى ما يدور حوله من آلام ومآسٍ.
وفي قلب هذه القضايا تقف فلسطين؛ الأرض التي ما زالت حاضرة في وجدان المسلمين والعرب، بما تحمله من مكانة دينية وتاريخية، وبما يعيشه أهلها من معاناة إنسانية مستمرة. وبينما تمتلئ الشاشات بصور الاحتفالات والأهداف، يبقى من الواجب الأخلاقي ألا تغيب عن الذاكرة صور الأسر التي فقدت أبناءها، والأطفال الذين حُرموا من الأمن والتعليم، والمدنيين الذين يدفعون ثمن الصراع.
ليس المطلوب أن نقاطع الفرح، ولا أن نحرم أنفسنا من الرياضة، وإنما المطلوب ألا تتحول المتعة إلى غفلة، وألا يصبح الحدث الرياضي ستارًا يحجب عن أعيننا القضايا التي تستحق أن تبقى حية في الضمير. فمن التوازن أن نفرح بهدف جميل، لكن من الوفاء أيضًا ألا ننسى دعاءً لمظلوم، أو كلمة حق، أو دعمًا إنسانيًا مشروعًا لمن يحتاجه.
لقد نجحت الرياضة مرارًا في إيصال رسائل تتجاوز حدود المنافسة، حين وقف لاعبون ومدربون وجماهير مع قضايا إنسانية مختلفة، مؤكدين أن الرياضة ليست معزولة عن الضمير الإنساني. وهذا يذكرنا بأن الملاعب قد تجمع الشعوب، لكن القيم هي التي تمنح هذا الاجتماع معناه الحقيقي.
إن الأمة التي تهتز لانتصار منتخبها، جديرة بأن يبقى في قلبها متسع للرحمة والعدل والوفاء لقضاياها الكبرى. فلا ينبغي أن يكون الانتماء الرياضي أقوى من الانتماء للمبادئ، ولا أن يطغى تشجيع فريق على واجب الدعاء للمظلوم، أو نصرة الحق بالوسائل المشروعة، أو تربية الأجيال على أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ.
وفي الختام، أنتهت البطولة كما انتهت بطولات كثيرة قبلها، وحمل الكأس بطلها وطويت صفحات النتائج، وتوج بطل جديد، لكن ما يبقى هو ما نحمله في قلوبنا من عقيدة، وما نغرسه في أبنائنا من قيم، وما نحافظ عليه من وفاء لقضايا الحق والعدل. فليكن شغفنا بالرياضة شغفًا منضبطًا، ولتبقَ عقيدتنا هي البوصلة، ولتبقَ فلسطين مرفوعة العلم عالية الجبين حاضرة في الضمير وفي ساحات الاحتفالات ، لا تزاحمها هتافات الملاعب، ولا تحجبها أضواء البطولات..
