د. محمود البلوشي
لقد شاعت في عالمنا العربي مقولة شائعة رائجة، هي أن التعليم يجب أن يهدف أولًا إلى تخريج مواطنين يسدون النقص في مواقع العمل والصناعة، وهي معادلة وجريمة كبرى تورطت فيها الدول الناشئة، واستمر ارتباط التعليم بتخريج موظفين إلى أن وصلت سعة الحكومة الاستيعابية إلى حد الاكتفاء، ولم تعد لديها القدرة على استيعاب موظفين، (وهذا هو أسوأ أنواع التعليم).
فهل القرار الوزاري رقم (155/2026) الصادر من وزارة التعليم، ومحوره أن يتحصل الطالب على نسبة 80% كحد أدنى في المؤهل الجامعي للالتحاق ببرامج التأهيل، يهدف إلى التجويد في المخرجات التربوية، أم أنه قرار اتخذ ظاهريًا لأسباب قانونية، أو إدارية، أو فنية، أو مهنية؟ أم أن قرار معاليها خاضع لضغوط تهدف إلى تحقيق مكاسب معينة بسبب عدم توفر شواغر وظيفية في وزارة التعليم؟ على العموم، فإن القرار أُخرج في قالب رسمي قانوني سليم شكليًا، غايته تجويد المخرجات التربوية، والله العالم من وراء القصد!!
عند الحديث عن عملية إعداد المعلمين في سلطنة عُمان، بدأت بأساسها الأول عام 1976، وتحديدًا في 16/10/1976، بافتتاح معهد المعلمين في مدرسة جابر بن زيد في الوطية، حيث يلتحق الطالب العُماني، بعد إتمامه ونجاحه في الإعدادية العامة، بالمعهد، ومدة الدراسة فيه سنتان للدراسة النظرية، وسنة تدريبية، يتحصل بعدها الخريج على درجة الدبلوم، ويُعيَّن مباشرة معلمًا في وزارة التعليم.
كذلك الحال بالنسبة للإناث، حيث افتتح معهد المعلمات، وتحديدًا في 5/11/1977، بنفس الشروط السابقة، وتُعيَّن الخريجة مباشرة معلمة في وزارة التعليم. ونجد هنا أن السلطنة، في تلك الحقبة، كانت تسعى لتوظيف معلمين ومعلمات لسد النقص في الوظائف التدريسية، حيث إن السلطنة، في بدايات النهضة عام 1970، كانت تستقطب المعلمين والمعلمات من الدول العربية الشقيقة (مصر، والسودان، والمغرب، وتونس، والجزائر) بموجب عقود واتفاقيات مع تلك الدول.
وفي 14/3/1984، صدر القرار الوزاري رقم (23/84) بتعديل مسمى معاهد إعداد المعلمين والمعلمات إلى الكليات المتوسطة للمعلمين والمعلمات، ومدة الدراسة فيها سنتان بعد الثانوية العامة، يتخرج الطالب منها بدرجة الدبلوم، ويُعيَّن مباشرة معلمًا في وزارة التعليم.
وفي عام 1995، تحولت الكليات المتوسطة للمعلمين والمعلمات إلى كليات جامعية (كليات التربية)، ويلتحق الطالب بتلك الكليات بعد الثانوية العامة، ومدة الدراسة فيها أربع سنوات، يتحصل بعدها على درجة البكالوريوس، ويُعيَّن معلمًا في وزارة التعليم.
كما تم افتتاح جامعة السلطان قابوس عام 1986، وبها كلية متخصصة لإعداد المعلمين والمعلمات، وهي كلية التربية، ومدة الدراسة فيها أيضًا أربع سنوات، يتحصل الخريج بعدها على درجة البكالوريوس، ويُعيَّن مباشرة معلمًا في وزارة التعليم.
نجد أن عملية إعداد المعلمين والمعلمات في سلطنة عُمان، ومنذ عام 1976، مرت بعدة مراحل، واتُّخذت فيها العديد من القرارات الوزارية، التي نجد بالفعل أنها كانت تهدف إلى تجويد المخرجات التربوية، خاصة عندما نعلم أن المخرج سيكون معلمًا متخصصًا في تخصص معين، مثل: (الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات البحتة، والرياضيات التطبيقية). فهذه مواد علمية فعلًا تحتاج إلى طالب متفوق ومتميز فيها، حاصل على نسبة عالية في التخصص، ليكون معلمًا مؤهلًا في تخصصه.
خاصة إذا ما علمنا أنه في الأعوام السابقة المنصرمة وردت العديد من الشكاوى إلى وزارة التعليم، مفادها عدم تمكن المعلم العُماني من تدريس التخصصات العلمية التي ذُكرت سابقًا، وتم تداول تلك المشكلة أمام مجلس الشورى، والاعتراض على استبدال المعلم الوافد وإحلال المعلم العُماني بدلًا منه، خاصة في التخصصات العلمية التي ذكرتها.
وأردد مقولة شهيرة أعجبتني، بأن المال وحده لا يكفي لحدوث نهضة التعليم، خاصة إذا ما علمنا أن أغلب الطلبة العُمانيين الذين يلتحقون ببرامج التأهيل التربوي يدرسون على نفقتهم الخاصة، وفي جامعات ربحية خاصة، بدون اشتراطات للقبول، وتهدف إلى الربح المادي قبل الجودة. فقرار معالي وزيرة التعليم جاء في محله.
