المحتوى المحلي منظومة متكاملة وليس برنامجًا منفردًا

 

 

 

سلطان الخضوري

تعمل جهة على زيادة نسب التوظيف، بينما تركز جهة أخرى على تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتسعى جهة ثالثة إلى جذب الاستثمار، فيما تعمل جهات أخرى على تطوير الصناعة أو رفع كفاءة سلاسل الإمداد. وجميع هذه التوجهات مشروعة ومهمة، إلا أن تعظيم أثرها يتطلب أن تنطلق من منظومة وطنية واحدة، لا من أهداف منفصلة قد تتقاطع أحيانًا أو تتنافس في أحيان أخرى.

خلال السنوات الأخيرة، شهدت الساحة الاقتصادية توسعًا ملحوظًا في ممارسات وبرامج تعزيز المحتوى المحلي، باعتباره أحد الأدوات الفاعلة لتحقيق التنمية المستدامة، لا سيما على مستوى التوجهات الحكومية، حيث ارتبطت بشكل مباشر بأهداف رؤية "عُمان 2040"، وأبرزها اعتماد مجلس الوزراء الموقر في يناير 2024 «السياسة الوطنية للمحتوى المحلي 2024-2030»، علاوة على البرامج الوطنية التي عملت عليها الجهات الحكومية والخاصة، مثل برنامج مجد، وقمم، وتصنيع، وغيرها، حيث تهدف هذه البرامج إلى تحقيق مستهدفات الرؤية من خلال تنويع مصادر الدخل، وتمكين المؤسسات الوطنية والأفراد من الاستفادة بشكل أكبر من الإنفاق الحكومي والاستثمارات والمشروعات الكبرى. إلا أن تحقيق الأثر المنشود من المحتوى المحلي لا يعتمد فقط على وجود برامج أو مبادرات منفصلة، بل يتطلب تكاملًا حقيقيًا بين مختلف التوجهات والسياسات الوطنية ذات العلاقة، حيث كان الهدف الأساسي للسياسة الوطنية للمحتوى المحلي إيجاد منظومة وطنية تتولى تنظيم ومتابعة المحتوى المحلي في جميع القطاعات على المستوى الوطني.

فعندما نتحدث عن المحتوى المحلي، فإننا لا نتحدث عن التوطين أو المشتريات المحلية أو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أو الاستثمار أو التدريب والتأهيل، كلٌّ على حدة، وإنما عن منظومة مترابطة تتقاطع فيها هذه العناصر لتحقيق هدف واحد، يتمثل في تعظيم أثر المحتوى المحلي داخل الاقتصاد الوطني، وتعظيم أثره على المجتمع، على الرغم من أن بعض الدول، مثل إندونيسيا وماليزيا، تعمقت لتشمل بمنظومتها المناهج التعليمية وما تحتويه من محتوى محلي، كصور وثقافة وغيرها، إلا أنه لم نحقق الأثر الاقتصادي بعد!

ومن هذا المنطلق، فإن نجاح برامج المحتوى المحلي يرتبط بشكل وثيق بتكاملها مع برامج التوظيف والتدريب، وسياسات الاستثمار، واستراتيجيات الصناعة، وبرامج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وخطط البحث والابتكار، إضافة إلى السياسات التجارية وسلاسل الإمداد. فكل برنامج من هذه البرامج يمثل حلقة في سلسلة متكاملة، وأي ضعف أو فجوة في إحدى الحلقات ينعكس على كفاءة المنظومة بأكملها. لا يمكن النظر إلى التوظيف بمعزل عن التعليم، ولا إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بمعزل عن التمويل وفرص الإسناد، ولا إلى الاستثمار بمعزل عن جاهزية المورد المحلي، ولا إلى المشتريات المحلية دون وجود صناعة وطنية قادرة على المنافسة. فكل عنصر يعتمد على الآخر، وأي خلل في أحدها ينعكس على المنظومة بأكملها.

وفي العديد من التجارب الدولية الناجحة، لم يتم التعامل مع المحتوى المحلي كبرنامج مستقل، بل كإطار وطني شامل يربط بين التنمية الاقتصادية، وتنمية الموارد البشرية، وتعزيز الاستثمار، وتطوير الصناعة، وتحفيز الابتكار. وقد ساعد هذا النهج على تحقيق نتائج أكثر استدامة وأثرًا على الاقتصاد. على سبيل المثال، في النرويج، عند اكتشاف النفط، لم تكتفِ بوضع متطلبات المشتريات، بل عملت على منظومة متكاملة شملت التعليم، والبحث والتطوير، ونقل المعرفة، والاستثمار، والخدمات المساندة، مثل الموانئ.

وفي سلطنة عُمان، تمتلك الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الوطنية فرصة كبيرة لتعزيز هذا التكامل، خاصة في ظل وجود العديد من المبادرات والاستراتيجيات الوطنية التي تستهدف تنويع الاقتصاد ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية. ويكمن التحدي اليوم في التنافس وتعزيز التنسيق بين هذه البرامج، وعدم التنازل في بعض الأحيان، بما يضمن توجيه الجهود نحو أهداف مشتركة بدلًا من العمل في مسارات متوازية.

كما أن التطورات العالمية الحالية تؤكد أهمية هذا التوجه، حيث أصبحت الدول تتجه إلى بناء منظومات اقتصادية أكثر ترابطًا ومرونة، قادرة على الاستفادة من الفرص ومواجهة التحديات من خلال تكامل السياسات والبرامج المختلفة. وأصبح المحتوى المحلي أحد المؤشرات المهمة لقياس قدرة الاقتصاد على الاحتفاظ بالقيمة داخل حدوده وتعظيم العائد من الإنفاق والاستثمار، وهذا ما تحتاجه هذه المرحلة: مؤشرات واضحة قابلة للقياس والتنفيذ.

وفي الختام، فإن مستقبل المحتوى المحلي لا يكمن في زيادة البرامج والأرقام فقط، بل في بناء منظومة متكاملة تتناغم فيها السياسات والمؤشرات والمبادرات الوطنية. فكلما زاد مستوى التكامل بين هذه المكونات، زادت قدرة الاقتصاد على تحقيق أثر أكبر من المحتوى المحلي، من خلق فرص عمل نوعية، وتعزيز تنافسية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتحقيق مستهدفات التنمية المستدامة على المدى الطويل.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z