مواقف وعبر (2)

 

 

صبحي حسن

كثيرة هي الأحداث التي تمر علينا باختلاف الفصول أو السنوات. ومن الأحداث مباريات كأس العالم التي تقام الآن في ثلاث دول.

في السلسلة الثانية من "مواقف وعبر" سنتحدث عن كأس العالم لا كمباريات، فيوجد من المعلقين ما يكفي، ثم إنني لست شغوفًا بها.

فضجيجها أكثر من طحينها.

فلنأخذ الضجيج، ونحلق به إلى ثلاثة مشاهد، وندع الطحين لخبازه.

بدايةً، دعونا نتعرف على معنى الفيفا، ثم ننتقل إلى المشهد الأول.

الكلمة أصلها من "فيفا"، وتعني لغويًا، وليس اصطلاحًا، الصحراء الواسعة، أو المكان المستوي الخالي من الماء، أو المفازة.

 

المشهد الأول:

إبيجيل فليز، مذيعة أمريكية، استهلت تعليقها على المباراة القادمة بين أمريكا والبوسنة (الأحداث انتهت، وفازت فيها أمريكا)، قائلة: "في الدور القادم سيلعب منتخبنا ضد البوسنة يوم الأربعاء القادم".

وأضافت: "فيما يخص البوسنة، لا أستطيع حتى تحديد مكانها على الخريطة. لا أعرف عنها شيئًا، ولا أريد أن أعرف. الآن فريق الولايات المتحدة الأمريكية قد عاد. نحن أفضل من أي وقت مضى. استعدي يا بوسنة، لأنكم لن تقووا على مواجهتنا".

جاءها الرد من أسماء أبو دهب، معالجة نفسية بوسنية من أصل فلسطيني: "دعوني أفكك ما حدث، الأمر هنا لا يتعلق بالجغرافيا فحسب، وإنما بالغطرسة، هذه المراسلة قالت إنها لا تعرف أين تقع البوسنة، ولا تريد أن تعرف، فكروا بذلك للحظة، المسألة ليست أنها لا تعرف، بل وتفتخر بأنها لا تريد أن تعرف، إنها تحتفي بجهلها باعتباره دليلًا على التفوق الأمريكي، هذه ليست ثقة بالنفس، هذا أمر مثير للشفقة، هذا ما يسمى بالمركزية الأمريكية، أي إنك إذا كنت أمريكيًا، فلست بحاجة إلى معرفة أي شيء عن بقية العالم، ليس حتى عن تلك الدول التي تتساقط عليها القنابل الأمريكية، أو التي دمرتها أمريكا، كم من الأمريكيين يستطيع تحديد إيران أو العراق على الخريطة؟ والأغرب أن الأمريكيين دائمًا عرضة للسخرية بسبب جهلهم بالجغرافيا، وهذا أمر موثق جيدًا، ابحثوا في اليوتيوب، وستجدون المئات منها". (ثم عرضت بعض الفيديوهات).

وتضيف: "فبدلًا من أن تكون متواضعة أو فضولية تجاه البوسنة، تحول هذه المذيعة، أو المراسلة، اللحظة إلى سلاح تستخدم فيه جهلها كدعاية فكاهية، بأن أمريكا قوية جدًا لدرجة أنهم لا يبالون بأي شيء، الأمر لا يستغرق أكثر من 30 ثانية فقط على الإنترنت، للعثور على مكان البوسنة على الخريطة، حرفيًا لا أكثر، إنها تسخر من شعب له تاريخ وثقافة يستحقان الاحترام، سأشجع البوسنة لأسباب كثيرة، أهمها أنهم على الأقل لا يبيدون دولًا أخرى، ويرعبون نصف الكوكب!".

ملاحظة: اعتذرت المذيعة عما قالته لاحقًا، بعد أن تم انتقادها بشدة في وسائل الإعلام المختلفة.

 

المشهد الثاني:

محامٍ متخصص في النزاعات الرياضية، لا علاقة لها بكرة القدم، تربع على عرش الاتحاد الدولي لكرة القدم، فلطخه بازدواجية المعايير، والجشع، والخنوع.

طائرة خاصة موضوعة تحت تصرفه، مكنته من حضور جميع مباريات كأس العالم، والتنقل يوميًا بين الملاعب التي تفصل بينها آلاف الكيلومترات.

فرق أمنية خاصة تسهر على حمايته.

نُزل وفنادق فخمة.

ثراء فاحش.

بينما الجماهير الرياضية نفسها مجبرة على دفع مبالغ خيالية لحضور المباريات.

يُمنع حكام من عبور الحدود دون أسباب واضحة.

ويُحرم لاعبون من تحقيق أحلامهم بالمشاركة مع منتخباتهم، بينما يحظى هو بامتيازات غير مسبوقة في عالم الساحرة المستديرة.

إنه جياني إنفانتينو...

اتهمه اللاعب السابق ميشيل بلاتيني بقيادة مؤامرة خفية لتدمير سمعته، وإقصائه عمدًا من سباق الفوز بأعلى مناصب كرة القدم (رئاسة الفيفا).

منذ توليه المنصب، حول كرة القدم من لعبة شعبية، كما كان حالها دائمًا، إلى ساحة ليس فقط للجشع المالي، بل إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.

روسيا تعرضت للحظر، ولن تلعب كأس العالم، بسبب استمرار العقوبات الرياضية المفروضة عليها من قِبل (الفيفا) والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا)، على خلفية غزوها لأوكرانيا منذ عام 2022م.

مُنع المنتخب الروسي من المشاركة في تصفيات كأس العالم عام 2022، والعام الحالي 2026.؟

بالإضافة إلى استبعاد منتخب السيدات الروسي من بطولات كأس العالم للسيدات.

لم يقتصر استخدام الولايات المتحدة الأمريكية نفوذها وبلطجتها للتضييق على المنتخب الإيراني، بل عززت مصالحها المونديالية مرة أخرى، وبتواطؤ مع جياني، بإلغاء بطاقة حمراء رُفعت بوجه مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون بعد طرده أمام البوسنة.

أثارت هذه الحادثة التساؤلات حول نزاهة الفيفا، والكثير من الاستياء والجدل.

 

 

المشهد الثالث والأخير:

الناشطة الأمريكية نالي قالت: إن أكبر خدعة في كأس العالم لكرة القدم هي الوهم الذي يروجون له بأن جميع الفرق المشاركة لديها فرص عادلة للفوز، وأن جميعها تبدأ من نقطة انطلاق واحدة. هذا غير صحيح، ففرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، وهولندا، وألمانيا، والنرويج، وغيرها من الدول الغربية، تعد من أكثر المنتخبات الوطنية تمويلًا وإمكانات في العالم، لتكون من أفضل المنتخبات، وذلك عندما تواجه فرقًا من دول الجنوب العالمي، التي لا تملك إلا جزءًا ضئيلًا من هذه الإمكانات. لا أجادل في هذا الأمر. هذه الفرق الغربية لديها إمكانيات الوصول إلى أفضل المدربين، والطهاة، وأفضل أنواع الطعام، ويحسنون أجسادهم بأحدث الأساليب العلمية.

فهم يستيقظون ويتدربون، ثم يستيقظون ويتدربون، متفرغون تمامًا لما يقومون به.

قارن ذلك بفرق الجنوب العالمي، حارس مرمى الرأس الأخضر، مثلًا، يعمل كهربائيًا نهارًا، أو حارس مرمى باراغواي، الذي يضطر إلى بيع قمصانه لتغطية نفقات علاج طفله، هؤلاء يكافحون من أجل البقاء، ويلعبون في الوقت نفسه، كيف يكون هذا عدلًا؟

فريق النرويج، على سبيل المثال، استطاع جلب كميات هائلة من طعامه، ولحومه، وخضرواته، واستطاعوا أن يحضروا معهم طاهيهم الخاص، لأنهم رفضوا النظام الغذائي الأمريكي تمامًا، هذا مفهوم تمامًا، فإن كان بإمكانك فعله، فافعله، لا بأس.

لكن قارن ذلك بالمنتخب الإيراني، الذي لم يُسمح له حتى بإحضار طاقمه الخاص، كيف تكون هذه المنافسات عادلة؟

حينما أرى منتخبات غربية تفوز في مباريات كأس العالم عبر ركلات الجزاء الترجيحية، لا أشعر بأي إعجاب، لأنهم ببساطة كان يفترض بهم أن يسحقوا منتخبات الجنوب العالمي من البداية، لما يتمتعون به من إمكانيات وامتيازات.

آسفة... لكنني لست معجبة بأي من منتخبات الغرب.

أنا أشجع كل شعوب العالم غير الغربية، وحين أرى أناسًا من هذه الشعوب يشجعون دولة غربية، أتأسف لذلك جدًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z