عائشة البلوشي
كنتُ طفلةً هادئةً جدًا، لا أميل إلى الثرثرة نهائيًا، لكنني كنت أحب الاستكشاف جدًا، وأقوم بالعديد من التجارب، وكنت أدون ما أقوم به من تجارب ونتائجها في دفترٍ خاص باللون الأسود، وكنت أخفيه تحت السرير حتى لا يعثر عليه أحد. وعندما وصلت إلى سن الثالثة عشرة، كان هذا الهوس قد وصل إلى ذروته، ولحبي الشديد للمزروعات والأشجار، شدتني حدائق بابل المعلقة، إحدى عجائب الدنيا، التي وردت في كتاب الدراسات الاجتماعية حينها. وبما أن جدتي -رحمها الله وجعل قبرها روضةً من رياض الجنة- قد انتظمت في فصول محو الأمية في الفترة المسائية، أتاح لي هذا الوقت ممارسة هوايتي المفضلة بعد القراءة. فبعد الانتهاء من واجباتي المدرسية، أصعد إلى سطح المنزل المكون من طابقين، حيث حملت الأتربة وجعلتها في صناديق، وقمت بزراعة بعض المحاصيل التي لم أرها تُزرع لدينا في العراقي، كالدنجو (الحمص)، والعدس الأسود، والماش (نوع من أنواع اللوبياء)، وكل هذا كنت آخذه خلسةً حتى لا أفضح سري العظيم إلا بعد الإثمار، وكنت مجتهدةً جدًا في متابعته وسقيه والاعتناء به، خاصةً بعدما بدأت بذور التفاح بالتبرعم وظهور الأوراق، حيث كنت قد عقدت النية على تحويلها إلى سطح المنزل عندما يقوى عودها.
وفي إحدى مساءات شهر نوفمبر، وبعد أن أنهيت واجباتي وجزءًا كبيرًا من مذاكرتي، صعدت إلى السطح ومعي سطل الماء برفقة شقيقتي -التي تصغرني سنًا- علياء. قمت بالسقي، والسعادة تغمرني لأن الثمار قد أينعت، وهي المرة الأولى التي أرى فيها قرون الدنجو والعدس. وبعد أن رويت مزروعاتي الثمينة، نظرت إلى باب السطح، وخالجني سؤال: كيف سنتمكن من النزول لو أن باب السطح انقفل علينا؟ فخشب الباب كان قد تأثر بالأحوال الجوية، وأحيانًا نجد بعض الصعوبة في فتحه، وبدأ تأثير أفلام الحركة (الأكشن) بجميع لغاتها حينها يمر أمام مخيلتي، وتذكرت اللصوص عندما يتسلقون المواسير في تلك الأفلام، فنظرت يمنةً ويسرةً، ورأيت ذلك الأنبوب اليتيم الهزيل الشامخ غربي السطح، وقلت: سأقوم بتجربة النزول باستخدامه. وبالفعل، وقفت على حافة السطح ممسكةً به، وصحت أنادي شقيقتي كي تشاهد مغامرتي الاستثنائية: علياء!!، واختفيت بعدها!!!
ركضت شقيقتي لتنظر من فوق السطح، فرأتني جثةً هامدةً لا تتحرك. بالطبع، قفزت درجات السلم مهرولة، وجاءت لتنظر إليَّ عن قرب، ولم تلمسني من شدة خوفها؛ لظنها أنني قد فارقت الحياة. أما الطباخ الهندي أحمد -رحمه الله حيًا أو ميتًا- فقد ركض لمسافة ثلاثة كيلومترات إلى بيت عمي الشيخ علي بن سويدان، الذي جاء بسيارته هو وزوجته أم حسين. وفي تلك الأثناء، كانت شقيقتي تحاول الاتصال بمنزل الشيخ ناصر بن سعيد، وتدير قرص الهاتف بجنون، واكتشفت أنها طلبت رقمًا خاطئًا، لكنها كانت تهذي وتصرخ قائلة: "أختي طاحت من السطح"، وتغلق الهاتف. ثم ركضت إلى بيت العم الشيخ عوض بن محمد -رحمه الله- لأنه أقرب الجيران، فدخلت منزلهم كالإعصار، تصرخ وتفتح الأبواب عليهم، وتهذي بكلمات غير مفهومة، ولذلك ظن الجميع أنه قد دارت بيننا جولة من جولات المصارعة الحرة، وقمت بضربها، فذهبت إليهم باكية. لا أدري كم مر عليَّ من الوقت حتى وصل عمي علي حافي القدمين، وحملني ووضعني في الكرسي الخلفي لتسندني أم حسين، وكل هذا يدور وأنا غائبة عن الوعي.
إنه من الصعوبة بمكان التكهن بما يدور في عقل الطفل، إلا إذا كنت دائم التواصل معه للحديث عن هواياته، وما يحب أو يكره، وما يمر به من مواقف خلال يومه، وخصوصًا إذا كان طفلًا متقد الذكاء، أو من النوع الذي لا يقتنع إلا بالتجربة الحية. وليس جميع أطفالنا على نفس الشاكلة، فالفروق الفردية هي سنة الله في خلقه، لذلك يجب أن ننتبه إلى ما رزقنا الله من أبناء، ويجب ألا نفرق بينهم في المحبة والعطاء -على الأقل ظاهريًا- فهم رزق أعطانا الله إياهم بخيرهم وشرهم، وهم ابتلاء لنا في نفس الوقت، علينا أن نصبر ونتقي الله في تربيتهم، والتأفف منهم ومن أحوالهم خطير، فحبنا لهم فتنة، ونفورنا منهم فتنة.
يتبع...
توقيع:
"رد الزيارة علينا يا حلو الأطباع..
ما عدت أقوى فراقك أكثر من أسبوع.
رد الزيارة..
من يوم وادعت زولك والقلب ملتاع..
للحب سلطان أمره مقضي ومسموع.
لا يشغلك قول واشٍ.. القول خدّاع.
ما في دروب المحبة حاجز وممنوع.
رد الزيارة"
خلفية العبدالله الخليفة.
