محمد بن عيسى البلوشي**
يبدو أن الحاج أبا صالح تنبه إلى مسألة مهمة في تعليم ابنه أصول الاستثمار والتجارة، فمنحه 100 قرش ليبدأ تعلم التجارة، بعد أن كان الأخير يراقب أباه في تعلم أصول التجارة من التعامل مع الزبائن والموردين والأمور المحاسبية، ووجَّه أبو صالح ابنه إلى أصول يراها مهمة لتعلم التجارة، وهي مرتكزة على ثلاثة أضلاع رئيسة: (اختيار نوع التجارة - اختيار المكان - الاستدامة)، ليبدأ صالح مشوار التعلم وبناء الوعي التجاري والإدراك المرتبط بالاستثمار.
أستحضر مع قصة التاجر أبي صالح حجم ونوع الاكتتابات التي شهدتها بورصة مسقط خلال خمس سنوات الماضية، التي استطاع فيها سوق المال أن يوفر فرصًا استثمارية مباشرة عبر بوابة السوق الأولية (الاكتتابات)، بما يزيد على 1.5 مليار ريال عُماني، ودخول شريحة واسعة من المستثمرين. وما شهدته البورصة خلال العامين الماضيين، أصبح الحديث عن الاستثمار هو حديث العامة في المجتمع، وهذا ما يضع هيئة الخدمات المالية وبورصة مسقط أمام سؤال جوهري: ما هي البرامج التوعوية، أو التدريبية، أو التعليمية، أو التوجيهية المتخصصة التي تنفذها كي تبني وعيًا لدى المستثمر في البورصة؟!
إن بناء الوعي الاستثماري، سواء في البورصة أو غيرها من القطاعات، هو ضرورة ملحة لترسيخ فكرة أن بناء وعي الإنسان هو الأساس الذي يمكن أن نعول عليه، فالموارد غير البشرية معرضة لمتغيرات كثيرة وتحديات متعددة، إلا أن الوعي هو المخلص الوحيد من كافة التحديات أو المتغيرات التي يمكن أن يواجهها الاقتصاد أو الاستثمار، وسياسة "اتباع القطيع" هي سلوك لا يتناسب مع توجهات بناء اقتصاد قوي ورصين، أساسه فكر الإنسان قبل أن يكون المال أو الإمكانات المنظورة الأخرى.
ولعلنا نستذكر المدرسة الماليزية للاستشهاد بها في كيفية تحولها إلى نموذج يُنظر إليه باهتمام على مستوى دول شرق آسيا، وما قام به مؤسس نهضتها الحديثة في جعل الرسالة تصل إلى جميع أفراد المجتمع الماليزي والمقيمين؛ لبناء وعي جمعي بأن البلاد ستكون رقم (1)، وهذا ما تطلب تكثيف البرامج التوعوية الداعمة لترسيخ هذا التوجه داخليًا وخارجيًا.
نعود إلى بورصة مسقط، التي تعمل بكل ما أوتيت من قوة نحو توجهها للدخول إلى نادي الأسواق الناشئة، وذلك عبر تقييم سيكون قريبًا، بمشيئة الله تعالى، ونرجو أن تكلل المساعي الحميدة بالتوفيق والسداد. وهنا سنختصر المشهد التوعوي المنتظر عبر رسائل واضحة يمكن تنفيذها وقياس أثرها على المديين المتوسط والبعيد:
أولًا: من المهم أن يتم رسم إستراتيجية لبناء الوعي الاستثماري في بورصة مسقط، عبر تبني نموذج وطني يعمل على ترسيخ القيم ومبادئ الاستثمار الفاعلة، والذي يضمن بناء فكر استثماري يتسق مع التوجهات الاقتصادية، وأيضًا تأصيل فكر أن الأسواق المالية هي أداة من أدوات تمويل الفرص الاستثمارية في قطاعات الاقتصاد المتوزعة، مقابل عوائد عليها.
ثانيًا: من الضروري إشراك شركات الوساطة المالية المرخصة في عملية بناء الوعي، عبر برامج وأدوات وممارسات تضمن ترسيخ المعرفة الاستثمارية، وتوسع من إدراك المستثمر في قراءة المشهد العام والخاص، ومساعدته في اتخاذ أفضل القرارات التي يحقق معها أهدافه الاستثمارية (القصيرة – الطويلة) الأجل، مع تزويد المستثمر، وبشكل منتظم، ببعض القراءات المساندة في تعزيز الوعي.
ثالثًا: أهمية أن تسعى وزارة التعليم إلى وضع منهج تعليمي حول مسائل الادخار والاستثمار، بدءًا من الصفوف الأولى إلى المراحل المتقدمة؛ لتشكيل الوعي الإنساني، وأيضًا إمكانية إضافة أنشطة استثمارية محوكمة يمكن من خلالها ترسيخ الفكرة بشكل أفضل لدى أبنائنا، كما كان عليه الحال مع دخولنا المدارس عبر فكرة (جمعية المقصف). وهنا نجد فرصة لتأهيل موظف مختص يُعنى بهذا النشاط، مع الأعمال الأخرى التي يمكن أن يُعوَّل عليها في تطوير الأنشطة الاستثمارية والمناهج الاقتصادية بالمدرسة.
رابعًا: من المهم أن تتبنى وزارة الإعلام، وبالتنسيق مع المؤسسات الاقتصادية في البلاد، فكرة رفع الوعي الاستثماري والاقتصادي، عبر تخصيص نشرة أخبار اقتصادية مستقلة عن النشرات المعروفة، سواء على مستوى التلفزيون أو الإذاعة، وأن تزيد من رقعة البرامج الاقتصادية المتخصصة، وأن توجه نظر وسائل الإعلام إلى تعزيز نقاط الاهتمام بالاقتصاد من حيث الأخبار والمعلومات، ونشر التحليلات الاقتصادية الرصينة والمعتمدة، وأن تدعم الصحف والمطبوعات الاقتصادية القائمة لتوسيع رقعتها.
خامسًا: نتطلع إلى أن يشرف مكتب نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية على إدارة ملف الإعلام الاقتصادي، من حيث وضع الإستراتيجيات الإعلامية الوطنية، كي يتم وضع جميع الجهود المبذولة في الوقت الحالي على سكة الاقتصاد الموجهة نحو تعزيز دور سلطنة عُمان، وبناء الوعي الاستثماري الفاعل، والصورة الذهنية للاقتصاد الفاعل، مع كافة الفرص الحالية والمستقبلية (داخليًا وخارجيًا).
سادسًا: من الجيد أن تتبنى جمعية الصحفيين العُمانية مبادرة إنشاء لجنة الإعلام الاقتصادي بالجمعية، تعمل على رفع كفاءة الإعلاميين العاملين في القطاع الاقتصادي في جميع الوسائل الإعلامية، إلى جانب تنفيذ البرامج والمبادرات الإعلامية الرامية إلى تطوير وتأهيل المراسلين الصحفيين في محافظات وولايات السلطنة، بما يتسق مع الإطار الوطني للإعلام الاقتصادي، ورفد التجربة الإعلامية الاقتصادية بخبرات متخصصة محليًا وخليجيًا وعربيًا وعالميًا، حيث ستكون لهذه الخطوة المهمة بالغ الأثر في الوصول إلى المبتغى الأهم، وهو بناء الوعي الاقتصادي والاستثماري.
إن سلطنة عُمان تقف على أعتاب مرحلة اقتصادية جديدة، ليس من أجل منافسة اقتصادات قائمة، بل لبناء نموذج اقتصادي فريد قائم على الجغرافيا الاقتصادية وقواعد استثمارية آمنة ومستقرة، بعيدة عن "اقتصاد المضايق"، ونعتقد أن جميع دول العالم تجمع اليوم على أن سياسة سلطنة عُمان نجحت، وبامتياز عالٍ، أمام كافة الاختبارات السياسية والاقتصادية التي فرضتها التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وأن الحكماء يجمعون على أهمية توحيد الكلمة الاقتصادية الخليجية.
**إعلامي وباحث اقتصادي
