د. عبدالله بن سليمان المفرجي
في تلك اللحظة التي يظن فيها الإنسان أنه آمنٌ في سربه، معافًى في بدنه، وأن حدود وطنه وعتاده العسكري يحصنه من كل عدوان خارجي، يأتيه الخطر من حيث لا يحتسب، ولا يخطر بباله قيد أنملة، من منفذ لا يراه بعينه، ولا تسمعه أذنه، ولا تحسه صفارات الإنذار المتطورة، من فتحةٍ في الهواء عبر الأثير، لا تتسع إلا لبصمة إلكترونية عابرة، فإذا بالوطن الكبير الحصين يذوب في بحر من الأكواد، وتنهار أسواره قبل أن يسمع وقع خطى المعتدين الغاصبين. إنها لحظة التيه الرقمي العابر التي تختلط فيها الجغرافيا بالافتراض، وتضيع فيها الخريطة في متاهات الخوارزميات الغامضة، ويصير الأمن القومي رهينةً لعقول لا تعرف النوم والراحة، وأكواد لا تعرف الرحمة والأخلاق. فما بالك بأمة استيقظت صباحًا لتجد خزائنها منهوبة، ومرافقها مشلولة، بعد أن كانت بناءً شامخًا، ومواطنيها وقوفًا أمام آلات الصراف التي تلفظ رفضها كالصدى الخاوي؟ هذا ليس فيلمًا من أفلام الخيال العلمي، بل هو واقع حدث ويحدث الآن، في عالم تحولت فيه الأكواد السيبرانية إلى قنابل تنفجر في صمت مخيف، وسيوف تقطع شرايين الدول دون أن تُراق دمًا واحدة. وهنا يدرك العاقل أن الخطر ليس فيمن يقصفك بالطائرات والقنابل الفاتكة، بل فيمن يغلق عليك أبواب المال والكهرباء والماء من غرفة لا تتسع إلا لشاشة واتصال شبكي.
ففي صبيحة أيام الصيف التي لا تختلف ظاهريًا عن سواها، استفاقت أمة على كابوس لم تألفه كتب الحرب الباردة والحروب الساخنة، لم تعرف صفارة الإنذار سبيلها إلى مسامعها، ولم ترَ الغزاة يتدفقون من معابرها، لكنها وجدت خزائنها منهوبة، ومرافقها مشلولة، ودماء اقتصادها تنزف في صمت مخيف، كأنما أيادٍ خفية تضرب أوتار الدولة من حيث لا ترى العيون ولا تسمع الآذان، فما كان من البنوك إلا أن أضحت تماثيل صامتة تحرس أموالًا لا تُسحب، وما كان من المواطنين إلا وقوفًا أمام آلات الصراف التي تلفظ رفضها كالصدى الخاوي، وكأن الأرض قد انفلقت من تحت أرجلهم، وأموالهم التي كانت في المتناول أصبحت سرابًا يتراءى لهم في قيعان الشاشات الزرقاء. وتلك ليست غزوة بجيوشٍ حديدية جرارة، ولا معركة بدباباتٍ متطورة كمركبة فورد باتريوت المدرعة، التي تجوب السهول والصحراء الفسيحة، بل هي معركة الأكواد السيبرانية الأشد فتكًا من القنابل النووية، حيث القذائف أصبحت خوارزميات مخفية مدمرة، والسهام فيروسات تهلك الحرث والنسل، والجنود مبرمجون يضربون من غرف مكيفة صامتة في أقاصي الأرض، لا يحملون بنادق ولا يرفعون رايات، لكنهم يملكون مفاتيح الخراب والدمار التي تفتح أبواب الدولة من داخلها. إنها حرب تغيرت فيها ملامح الانتصار والهزيمة، وصار الانتصار فيها لصاحب العقول، لا لصاحب العتاد والتكتيكات المعززة، فبين ليلة وضحاها تحول سلاح الجو الفائق إلى هباء منثور أمام اختراق أنظمة الإنذار، وتحولت الصواريخ الدقيقة المعززة إلى عمياء بفضل تشويش إلكتروني خفي يضرب في العمق، وتهاوت منظومات الدفاع المتطورة كبيوت العنكبوت الواهنة، تحت وطأة أكواد لا تُرى ولا تُلمس. إن الأكواد السيبرانية صارت كالسيوف البتارة التي لا تنبثق منها الدماء، لكنها تقطع شرايين الدول وهي ماثلة في حيادها، صامتة في انهيارها، وكأنما الوطن يذوب ويذوي في فضاء لا حدود له، حيث لا فرق بين جبهة وأخرى، ولا بين جندي ومدني، فالجميع هدف، والجميع في مرمى الخوارزميات التي لا تعرف الرحمة، حيث لم تعد الحروب تعتمد فقط على الأساطيل والطائرات التقليدية، بل باتت ترتكز على الذكاء الاصطناعي، والمسيّرات، وتقنيات الطاقة المتقدمة.
وهنا تدرك العقول المتأملة أن الاقتصاد لم يعد معادلة من عروض وطلبات، بل أصبح شبكة عنكبوتية هشة، كل خيط فيها يشي بحيويتها، وكل انقطاع فيها يفضي إلى شلل تام مهلك، فالتريليونات التي تسرح في البورصات، والمدفوعات التي تجري كالسيل، وسلاسل التوريد الذكية التي تربط العالم بأسرع من لمح البصر، كلها مجرد خوارزميات صامتة تجري في قنوات لا تحميها جيوش ولا تردعها حدود، وأي انقطاع في هذا السيال الجارف هو أشبه بقطع إبهام الجبار، فتنهار القوة، وتضطرب الخطى، ولا يعود لأمة من موازين. ومن هنا كانت الصدمة عنيفة حين أدركت الأمم أن أموالها التي كانت تأمنها الخزائن الحصينة أصبحت عرضة للاختفاء في ثوانٍ، بين عشية وضحاها، وأن بياناتها التي كانت تعتز بها كأسرارها الدفينة أصبحت سلعة تباع وتشترى في أسواق مظلمة لا ترقب في مؤمنٍ إلا ولا ذمة. وليس غريبًا أن تتصاعد النفقات الدفاعية الرقمية، وأن تضاعف الدول ميزانياتها لأمنها السيبراني، كلها تقديرًا لحقيقة باتت مقررة: أن درهم وقاية في هذا المجال يساوي قنطار علاج، والعلاج هنا ليس سهلًا، بل هو معركة بين التأخر والانقراض. فالخسائر التي تتكبدها الأمم من جراء الهجمات السيبرانية العتيدة بلغت مبالغ فاقت كل تصور، حتى صارت تلك الخسائر، لو جُمعت، لتشكل ثالث أكبر اقتصاد في العالم، ولا يكاد ينقضي وقت قصير حتى تُنهب ثروات تزيد على ما تملكه بعض الدول في عام كامل، وتلك ليست مبالغة، بل واقع مرير أثبتته تجارب الأمم التي ذاقت ويلات الاختراق، فوجدت نفسها وقد تهاوت بنيتها التحتية في لحظات، وتكبدت خسائر استغرقت سنين لتجاوزها، وكأن الزمن قد انتكس بها إلى الوراء، وهي تنظر إلى نهضتها تتهاوى وتنهار أمام عينيها، دون أن تقدر على دفع الشر عنها. غير أن القوانين، مهما تشعبت واشتدت، والأطر التشريعية، مهما تسارعت وتنامت لتلائم الواقع، لن تغني عن تلك اليقظة المجتمعية التي تبدأ من داخل الأسرة والمدرسة، ذلك لأن الجندي الأول في الحرب الصامتة ليس المبرمج الخبير فحسب، بل المواطن الواعي الذي حنينه لوطنه وخوفه على ضياع مكتسباته ليسا شعارًا يُرفع، الذي يدرك أن نقرته على رابط مجهول قد تكون بابًا مفتوحًا يمر منه العدو دون استئذان، وأن كلمة مروره الضعيفة قد تكون نعيه وجثمانه الرقمي الذي يفضي بأسرار وطنه إلى أيدي العابثين المعتدين، فالوعي الرقمي صار ضرورة حضارية لا تقل عن تعلم القراءة والكتابة، وصار الأمن السيبراني ثقافة تبدأ من المهد إلى اللحد، ومن مقاعد الدراسة قبل أن يكون تخصصًا في الجامعات، فتأهيل الكوادر البشرية لم يعد أبدًا رفاهية ثقافية، بل هو صميم البقاء، وهو العامل الفاصل بين أمة تنهض من تحت أنقاض الاختراق، وأمة لا تقوم لها بعد ذلك قائمة على وجه الأرض، وكأن الأرض ابتلعتها من أجداثها، وكأنما الزمن يعيد تشكيل نفسه على مهل، ينقل ساحات الوغى والنزال من سهول الأعداء إلى شاشات المدن الذكية، ومن مدافع الحديد إلى خوارزميات لا تُرى، لكن أثرها في النفوس والأموال أشد فتكًا من أثر القنابل النووية.
وهنا يدرك العاقل البصير أن الخطر ليس فيمن يقصفك بالطائرات والمدمرات الفاتكة، بل فيمن يغلق عليك أبواب المال والكهرباء والماء من غرفة لا تتسع إلا لشاشة واتصال شبكي، فاستثمروا في الكوادر البشرية قبل أن تستولي الأكواد السيبرانية على مفاصل دياركم، وتترككم تصارعون ظلًا خفيًا لا جسد له، وعدوًا لا ترونه، لكنه يرى منكم ما لا ترون بخيله ورجله.
