الجيش الخليجي الموحد.. هل حان الوقت لإعادة قراءة الفكرة؟

 

 

ناصر بن حمد العبري

العالم يتغير بوتيرة متسارعة، ولم تعد التحديات الأمنية تقف عند حدود الدول، بل أصبحت عابرة للجغرافيا، ومتعددة الأبعاد، تبدأ من التهديدات التقليدية ولا تنتهي عند الأمن السيبراني، وحماية الممرات البحرية، وأمن الطاقة، ومواجهة الكوارث والأزمات الإقليمية. وفي ظل هذه المتغيرات، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة العديد من الأفكار الاستراتيجية التي طُرحت قبل سنين، وفي مقدمتها رؤية السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- بشأن إنشاء جيش خليجي موحد.

لقد كان السلطان قابوس، بما عُرف عنه من حكمة وبعد نظر، يستشرف المستقبل برؤية تتجاوز تحديات اللحظة. ومن هذا المنطلق، جاءت دعوته إلى تعزيز التكامل الدفاعي بين دول مجلس التعاون الخليجي، انطلاقًا من إيمانه بأن أمن دول الخليج مترابط، وأن استقرار أي دولة منها ينعكس على أمن واستقرار بقية الدول.

واليوم، وبعد ما شهدته المنطقة والعالم من تحولات متسارعة، يبدو من المناسب إعادة فتح هذا الملف، ليس باعتباره مشروعًا سياسيًا جاهزًا للتنفيذ، وإنما باعتباره فكرة استراتيجية تستحق الدراسة المتأنية، بما ينسجم مع المتغيرات الحالية ويحفظ سيادة كل دولة وخصوصية منظومتها الدفاعية.

إن أي تصور لجيش خليجي موحد ينبغي أن يقوم على رؤية واقعية ومدروسة، تراعي القوانين الوطنية، وآليات اتخاذ القرار، وهيكل القيادة، والتنسيق العسكري، والتكامل في القدرات والتدريب والتسليح، بعيدًا عن العاطفة أو ردود الفعل الآنية. فالنجاح في مثل هذه المشاريع لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالتخطيط طويل الأمد، والثقة المتبادلة، والإرادة المشتركة.

لقد أثبت مجلس التعاون لدول الخليج العربية، على مدى أكثر من أربعة عقود، أنه إطار ناجح لتعزيز التعاون في مختلف المجالات، كما شكّلت المبادرات الدفاعية المشتركة، وفي مقدمتها قوات درع الجزيرة، نموذجًا مهمًا للتنسيق العسكري الخليجي. إلا أن طبيعة التحديات الراهنة تفرض التفكير في تطوير أدوات التعاون الدفاعي، بما يتناسب مع حجم المسؤوليات المستقبلية.

إن قوة الخليج لا تكمن في الإمكانات العسكرية وحدها، بل في وحدة الرؤية، وتماسك المواقف، والقدرة على بناء منظومة أمنية متكاملة تحافظ على الاستقرار، وتحمي المصالح المشتركة، وتسهم في تعزيز الأمن الإقليمي.

كما أن إعادة دراسة فكرة الجيش الخليجي الموحد ليست دعوة إلى تغيير الواقع القائم، بقدر ما هي دعوة لفتح حوار استراتيجي هادئ حول أفضل السبل لتعزيز الأمن الجماعي لدول المجلس. فالأفكار الكبيرة التي تنبع من رؤية بعيدة المدى لا تموت بمرور الزمن، بل قد تزداد أهميتها كلما تعاظمت التحديات. وربما يكون من الوفاء لإرث السلطان قابوس، ومن المسؤولية تجاه مستقبل الخليج، أن تُقرأ هذه الرؤية مجددًا بعين الحاضر، وأن تُناقش بروح التعاون والحكمة، خدمةً لأمن المنطقة واستقرارها وأجيالها القادمة.

الأكثر قراءة

z