سعيد بن محمد الجحفلي
هنا نناقش جزئية بالغة الأهمية وهي المكافآت المالية ونسبتها التي لا تتجاوز 10% من إجمالي عدد كل منتسبي الوحدة التي تخضع للمنظومة، وهذا يشير إلى أنَّ الهدف من تلك النسبة هو تحقيق كفاءة الصرف المالي من خلال تقليص عدد المُجيدين في القطاع العام، وبتالي تقليل نسبة المكافأة السنوية للموظفين المستحقين للترقيات مستقبلاً!
وهذه معالجات مالية قاصرة تنم عن ضعف وإدراك للأهمية التي يتمتع بها العنصر البشري الذي يعتبر المورد الأساسي المتجدد والقادر على تحويل الموارد والإمكانيات الأخرى الى قيم مضافة للبلد. فالقطاع العام المُطبق لبنود الإجادة الفردية المشار إليها يدير معظم المرافق العامة للبلد، فإذا أصاب موظفي هذا القطاع الكبير والحيوي شيء من الفتور والإحباط جراء نتائج التقييم السنوي للإجادة، فقد يصبح مرضاً مزمناً كالذي يصيب بعض الأجهزة الإدارية في بعض الدول، عندئذ تكون كُلفة المعالجات الإدارية باهضه ومستعصية.
ومن مستهدفات رؤية عُمان 2040 تحسين كفاءة الجهاز الإداري للدولة ليواكب سياسة النهضة المتجددة التي حشدت كل الطاقات والهِمم للمضي قُدماً في تجديد العمل المؤسسي من خلال إدارة مؤشرات الأداء، حيث أصبح المُراقب لا يكاد يفرّق بين عمل مؤسسات القطاع العام والخاص نظراً للأعباء الوظيفية التي يتم إسقاطها على موظفي الأجهزة الحكومية على مدار العام، فيتساءل أحدهم ألا يحتاج هذا الجهد إلى مزيد من ذخائر التحفيز و المكافآت لتحقيق أهداف المرحلة؟! أم أن التوفير أصبح هماً وغاية لدى بعض متخذي القرار؟ ولو أتى بنتائج عكسية على الدولة والمواطن!!
وهذا يقودنا إلى المقارنة بين تفكير الوفرة وتفكير القلة أو الندرة لدى البعض!! رُغم أن القطاعات الأخرى التي لا تخضع لمنظومة إجادة لديها المزيد من الفرص في مجال الترقية والمكافأة أكثر من القطاع العام الذي يعتبر قاطرة التنمية في البلد.
وفي ذات السياق، تؤكد الدراسات والتجارب الناجحة أن تحفيز الموظفين لم يعد رفاهية بقدر ما هو استثمار مباشر وواجب وظيفي للاحتفاظ بالكوادر المُجيدة والإبقاء على جذوة نشاطها. وبناءً على ما تم الإشارة اليه، نرى أن يتم تطوير آلية المنظومة بحيث تستوعب تقييم الأعمال والأنشطة اليومية التي يقوم بها الموظفون عبر منصات العمل الإلكترونية المرتبطة بالحسابات الشخصية للعاملين كمنصة وصول ومراسلات.. إلخ، والتي توثّق حجم العمل اليومي ووزنه، كإعداد المذكرات الداخلية والمراسلات الخارجية والتقارير الفنية التي يقوم بها كل موظف، وأي إجراء آخر "روتيني" لخدمة المراجعين عبر المنصات الإلكترونية ومواقع العمل الإلكتروني ذات الصلة.
عندئذ ستكون نتيجة التقييم واضحة بأوزانها المعتمدة دون أي تدخل؛ فالذي يعمل كثيراً ويُنجز مهامه ستظهر لديه نسبة الإنجاز مرتفعة مقارنةً بالموظف الذي إنجازه أقل، وبالتالي لن يكون هناك مجال للاجتهاد في رصد النسب والتقييم، وستُخلق ثقافة التنافس والإنجاز في بيئة العمل بين الموظفين، بالإضافة الى مقترح مكافأة الحاصلين على جيد جداً وجيد بنسب متفاوتة لتحقيق المزيد من التحفيز لمواكبة أعباء المرحلة، وهذا يدعم فكرة إعادة النظر في تحديث حقوق منتسبي الوظيفة العامة الذين يخضعون لمنظومة الإجادة الفردية، في ظل السباق المحموم لمؤشرات الأداء الذي يلهب حماس العمل الحكومي للإسراع في إنجاز المشاريع والأهداف التشغيلية المعتمدة سنوياً.
ومن ناحية أُخرى، فإن الواقع العملي يؤكد تضاعف عمل مدراء العموم في القطاع العام وتشعب المهام المناطة بهم مقارنةً بغيرهم من مديري عموم شركات القطاع الخاص الكبيرة وكذلك الشركات الحكومية الذي ينحصر عملهم في مجال تخصصهم الوظيفي، ومع ذلك حوافزهم كبيرة مع فروقات واضحة في سلّم الرواتب، وهذ يندرج ضمن مطالبات إعادة النظر في حقوق الوظائف القيادية لموظفي القطاع العام بعد تطبيق مؤشرات الأداء. يقول جورج باولو ليمان الملياردير والمصرفي المعروف "أعظم رصيد للشركة أو المؤسسة هم طاقم موظفيها".
وفي الختام.. أُشير الى أهمية وحساسية القطاعين الصحي والتعليمي في البلد، وما يقومان به من أعمال، جليلة يصعب مقارنتهما بالقطاعات الخدمية الأخرى، فصياغة محاور تقييم الإجادة الفردية لهما سيكون بلا شك يراعي مهنية وخصوصية نوعية الوظائف للقطاعين، فأحياناً تجد معلماً أداؤه مع طلابه ممتاز ويحقق المستهدف التعليمي بكفاءة عالية، ولكن زحمة الأعمال التربوية قد لا تمنحه الوقت الكافي ليلمّع أداؤه و إبراز عمله عن طريق استعراض الوسائل التعليمية وتصويرها كمستندات داعمة للتقييم، فيخسر درجات المستندات الداعمة فيصيبه الإحباط وتفتر عزيمته، وقس على ذلك الوظائف الطبية والفنية التي غالباً ما يكون أصحابها يعانون من ضغوط العمل وزحمة المواعيد فلا يجدون متسعاً من الوقت للعمل على إبراز إنجازاتهم المهنية وما يقومون به من أعمال إنسانية طارئة لا يدركها من يقيم أداؤهم، فيخسرون درجات أثناء التقييم وينعكس ذلك سلباً على معنوياتهم.
قال تعالى: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ" (الرعد: 17). فعندما نستعرض حال الدول التي أولت اهتماماً بالغاً بالتعليم والنظام الصحي، تجدها حققت قفزات نوعية في الناتج المحلي الإجمالي ومستويات الرفاه الاجتماعي، كالدول الإسكندنافية وبعض دول شرق آسيا.
