مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية

 

 

د. علي موسى الكناني

أعاد تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران إدخال الشرق الأوسط في مرحلة جديدة من عدم اليقين، بعد أن بدت فرص التهدئة خلال الأشهر الماضية أقرب إلى الواقع. فالتصعيد الأخير لا يمثل حدثًا عسكريًا معزولًا، بل يأتي في سياق صراع استراتيجي طويل تتداخل فيه ملفات البرنامج النووي، وأمن الممرات البحرية، والنفوذ الإقليمي، والتوازنات الدولية، فضلًا عن الحسابات الداخلية لكلا البلدين.

وتشير طبيعة التطورات إلى أن المنطقة تقف أمام مرحلة مفصلية، قد تعيد رسم قواعد التفاعل بين القوى الكبرى والإقليمية، وتنعكس بصورة مباشرة على الأمن والاستقرار والاقتصاد العالمي. ومن هذا المنطلق، يمكن رسم خمسة سيناريوهات رئيسة قد تحدد مسار العلاقة الأمريكية الإيرانية خلال المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول: التصعيد العسكري المحدود

يقوم هذا السيناريو على استمرار الضربات العسكرية المتبادلة ضمن سقف محسوب، بحيث يسعى كل طرف إلى توجيه رسائل ردع دون الوصول إلى مواجهة شاملة. فالولايات المتحدة قد تستمر في استهداف مواقع تعتبرها ذات أهمية عسكرية أو مرتبطة بالبرنامج النووي، بينما تحرص إيران على الرد بما يحافظ على صورتها الردعية دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.

ويعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا؛ لأنه يسمح للطرفين بالحفاظ على توازن الردع، ويمنح كلًّا منهما فرصة تحسين موقعه السياسي والعسكري دون تحمل كلفة حرب واسعة.

السيناريو الثاني: الحرب الإقليمية الواسعة

يفترض هذا السيناريو اتساع نطاق العمليات العسكرية لتشمل أكثر من ساحة في الشرق الأوسط، سواء عبر استهداف منشآت استراتيجية أو تأثر الممرات البحرية أو انخراط أطراف إقليمية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن تداعياته لن تقتصر على أطراف الصراع، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي، مع احتمالات ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطل سلاسل الإمداد، وازدياد المخاطر الأمنية في المنطقة.

السيناريو الثالث: العودة إلى طاولة التفاوض

ورغم التصعيد، يبقى احتمال العودة إلى المسار الدبلوماسي قائمًا، خصوصًا إذا توصل الطرفان إلى قناعة بأن كلفة استمرار المواجهة أصبحت أعلى من كلفة التسوية.

وتشير تجارب العقود الماضية إلى أن العلاقات الأمريكية الإيرانية غالبًا ما انتقلت من التصعيد إلى الحوار عبر وساطات إقليمية ودولية، وهو ما يجعل المفاوضات غير المباشرة أحد السيناريوهات الواقعية إذا توفرت الإرادة السياسية.

السيناريو الرابع: حرب الاستنزاف طويلة الأمد

يقوم هذا السيناريو على استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية والسيبرانية دون حسم نهائي، بحيث تتحول المواجهة إلى صراع طويل يستنزف الموارد ويزيد الضغوط الداخلية على مختلف الأطراف.

ويمثل هذا الخيار أحد أكثر السيناريوهات تعقيدًا؛ لأنه يبقي المنطقة في حالة توتر دائم، ويؤثر في خطط التنمية والاستثمار، ويزيد من هشاشة البيئة الأمنية في الشرق الأوسط.

السيناريو الخامس: إعادة صياغة قواعد الاشتباك

قد يقود التصعيد الحالي إلى تفاهمات غير معلنة تعيد رسم حدود المواجهة بين واشنطن وطهران، بحيث تستمر المنافسة الاستراتيجية ضمن خطوط حمراء يتجنب الطرفان تجاوزها.

ولا يعني هذا السيناريو إنهاء الخلافات، بل تنظيمها بصورة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، مع الإبقاء على أدوات الردع والضغط السياسي والعسكري. وقد شهدت المنطقة نماذج مشابهة في أزمات سابقة، حيث أفضت المواجهات إلى معادلات جديدة حافظت على التوازن ومنعت الانفجار الكبير.

العقلاء الإقليميون والدوليون… عامل حاسم في مسار الأزمة

إلى جانب السيناريوهات العسكرية والسياسية، يبرز دور الدول التي تنتهج سياسة التهدئة والحوار بوصفه عاملًا مؤثرًا في تحديد مستقبل الأزمة. فكلما ارتفع مستوى التصعيد، ازدادت أهمية الوسطاء القادرين على فتح قنوات اتصال بين الأطراف المتنازعة، ومنع سوء التقدير الذي قد يقود إلى مواجهة يصعب احتواؤها.

ويأتي العراق في مقدمة هذه الدول، مستندًا إلى علاقاته المتوازنة مع الولايات المتحدة وإيران، وخبرته في استضافة الحوارات الإقليمية، فضلًا عن موقعه الجغرافي الذي يجعله معنيًّا بصورة مباشرة باستقرار المنطقة. كما تواصل سلطنة عُمان أداء دورها التقليدي في الدبلوماسية الهادئة، مستفيدة من سجل طويل في تقريب وجهات النظر وتوفير قنوات اتصال غير مباشرة بين الخصوم.

أما باكستان، فتملك مقومات تؤهلها للإسهام في جهود التهدئة، نظرًا لعلاقاتها مع إيران، وصلاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وعدد من دول الخليج، إضافة إلى إدراكها أن أي اتساع للصراع ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن جنوب آسيا.

وفي المقابل، تبرز الصين بوصفها قوة دولية تفضل الاستقرار على التصعيد، ليس فقط لحماية تدفقات الطاقة، وإنما أيضًا للحفاظ على مصالحها الاقتصادية ومشروعاتها الاستراتيجية، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق. ومن ثم، قد تدعم بكين أي جهد دبلوماسي يسهم في إعادة الأطراف إلى الحوار ويحد من احتمالات توسع النزاع.

خلاصة المشهد:

تبدو المنطقة اليوم أمام مفترق طرق استراتيجي، حيث تتنافس احتمالات التصعيد والاحتواء في آن واحد. فالحرب الشاملة ليست قدرًا محتومًا، كما أن العودة إلى التهدئة لن تكون سهلة في ظل تراكم ملفات الخلاف وانعدام الثقة بين الطرفين.

ويبقى مستقبل العلاقة الأمريكية الإيرانية مرهونًا بقدرة القيادتين على الموازنة بين منطق القوة ومنطق السياسة، وبمدى نجاح الوسطاء الإقليميين والدوليين في تحويل التصعيد إلى فرصة لإحياء مسار دبلوماسي جديد. فالتاريخ يؤكد أن الأزمات الكبرى لا تُحسم دائمًا في ميادين القتال، بل كثيرًا ما تنتهي حول طاولات التفاوض، بعد أن تستنفد القوة العسكرية رسائلها وحدود تأثيرها.

الأكثر قراءة

z