خريف ظفار.. من موسم عابر إلى اقتصاد لا يتوقف

 

 

أحمد الفقيه العجيلي

كلما أقبل الصيف، تتجه الأنظار إلى ظفار.

ففي الوقت الذي تشتد فيه الحرارة في معظم أنحاء المنطقة، ترتدي المحافظة حلتها الخضراء، ويغطي الضباب جبالها وسهولها، لتصبح واحدة من أكثر الوجهات جذبًا للزوار داخل سلطنة عُمان وخارجها.

ولم يعد موسم الخريف مجرد ظاهرة مناخية ينتظرها الناس كل عام، بل أصبح ركيزة اقتصادية يعتمد عليها كثير من الأنشطة التجارية والسياحية.

لكن هذا النجاح يطرح سؤالًا يستحق التأمل: هل يكفي أن تزدهر الحركة الاقتصادية خلال أشهر الخريف فقط، ثم تعود إلى هدوئها المعتاد بقية العام، أم أن الوقت قد حان للتفكير في كيفية تحويل هذا الموسم إلى نقطة انطلاق لاقتصاد أكثر استدامة؟

الاعتماد على موسم واحد، مهما بلغت أهميته، يجعل النشاط الاقتصادي أكثر حساسية للمتغيرات. فأي انخفاض في أعداد الزوار، أو تغير في الظروف الاقتصادية أو المناخية، ينعكس مباشرة على الفنادق، والمطاعم، والأسواق، والمنشآت الخدمية.

كما أن المستثمر الذي يعلم أن ذروة العائد لا تتجاوز بضعة أشهر سيحسب خطواته بحذر، لأن التكاليف لا تتوقف بانتهاء الموسم، بينما تتراجع الإيرادات بصورة كبيرة، ولا يقتصر أثر ذلك على الاستثمار وحده، بل يمتد إلى سوق العمل أيضًا.

فالكثير من فرص التوظيف ترتبط بفترة الخريف، ثم تنحسر بانتهائها، وهو ما يصعب معه بناء كوادر مستقرة تكتسب الخبرة، وتستمر في تطوير القطاع السياحي عامًا بعد عام، ومع ذلك، فإن الحل لا يكمن في محاولة صناعة موسم جديد ينافس الخريف، فخصوصية هذا الفصل لا يمكن استنساخها، وإنما في استثمار ما يملكه المكان من مقومات أخرى تستحق أن تُعرّف بها ظفار في مختلف أوقات السنة.

ولا تكفي الطبيعة وحدها لصناعة وجهة سياحية ناجحة، مهما بلغت فرادتها.

فالتجارب العالمية تُظهر أن نجاح السياحة يقوم على تكامل ثلاثة عناصر لا ينفصل أحدها عن الآخر: بنية أساسية تستوعب النمو، وفعاليات تمنح الزائر تجربة متجددة، وتسويق احترافي يعرف كيف يقدم هذه المقومات إلى الأسواق المستهدفة، وعندما تتكامل هذه العناصر، تتحول الميزة الطبيعية إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

وتزخر ظفار بمزارع الموز، وجوز الهند (النارجيل)، والبابايا، إلى جانب أشجار اللبان، والنباتات العطرية، وهي مقومات قادرة على أن تقدم للزائر تجربة مختلفة، يتعرف من خلالها على الحياة الزراعية، وأساليب الإنتاج المحلي، بعيدًا عن الصورة التقليدية للسياحة التي تقتصر على التنزه، ومشاهدة المناظر الطبيعية.

كما أن اللبان، بما يحمله من قيمة تاريخية وثقافية، لا ينبغي أن يبقى مجرد منتج يُباع للسائح، بل يمكن أن يكون محورًا لتجارب سياحية وثقافية، من التعريف بتاريخه وطرق استخراجه إلى الصناعات المرتبطة به، وهو ما ينطبق أيضًا على الحرف التقليدية التي تمثل جزءًا من هوية المحافظة، وتستحق حضورًا أوسع في الأسواق المحلية والخارجية.

ومن المجالات التي تستحق اهتمامًا أكبر كذلك سياحة المؤتمرات، والملتقيات، والفعاليات العلمية، والرياضية.

فوجود مرافق مناسبة، وشبكة خدمات متطورة، يمنح ظفار فرصة لاستقطاب فعاليات على مدار العام، وهو ما ينعكس إيجابًا على الفنادق، والمطاعم، وقطاع النقل، والخدمات المساندة، ويخفف من حدة التذبذب بين موسم وآخر.

كما أن استقطاب فعاليات كبرى ذات طابع إقليمي أو دولي أصبح اليوم أحد أهم أدوات الترويج السياحي.

فهذه الفعاليات لا تقتصر آثارها على أيام إقامتها، بل تمنح المكان حضورًا إعلاميًا واسعًا، وتبني له هوية ترتبط في أذهان الزوار بحدث يتجدد كل عام.

ولعل تجربة دبي في استضافة المعارض والمؤتمرات الدولية، وتجربة سنغافورة في سياحة المؤتمرات والملتقيات، تؤكدان أن الفعالية الناجحة ليست حدثًا عابرًا، بل محركًا اقتصاديًا ينعكس أثره على الفنادق، والنقل، والمطاعم، وقطاعات عديدة أخرى.

ولا يقل التسويق أهمية عن تطوير المنتج نفسه. فما زالت صورة ظفار في أذهان كثيرين مرتبطة بالخريف وحده، بينما تمتلك المحافظة شواطئ، ومواقع أثرية، وأودية، وتنوعًا طبيعيًا يستحق أن يكون حاضرًا في الحملات الترويجية طوال العام، لا قبل بداية الموسم بأسابيع فقط.

وقد يرى البعض أن زيادة الإنفاق على الترويج، أو تطوير المرافق، تمثل عبئًا ماليًا، لكن النظرة الاقتصادية تختلف عن ذلك.

فما يُستثمر في تحسين تجربة الزائر، وبناء صورة ذهنية قوية عن الوجهة السياحية، لا يُعد مصروفًا ينتهي بانتهاء الموسم، بل استثمارًا طويل الأثر ينعكس على قطاعات متعددة، ويعزز جاذبية المحافظة عامًا بعد آخر.

وفي المقابل، فإن نجاح موسم الخريف نفسه يبدأ قبل وصول أول زائر بوقت طويل.

فالطرق، والمواقف، والمرافق العامة، والخدمات الصحية، وخطط إدارة الحركة المرورية، وتأهيل العاملين في القطاع السياحي، كلها عناصر ينبغي أن تكون جاهزة قبل الذروة، لأن جودة التجربة التي يعيشها السائح هي أفضل وسيلة للتسويق، وهي التي تدفعه إلى العودة مرة أخرى، وإلى نقل تجربته للآخرين.

ويبقى المجتمع المحلي شريكًا لا غنى عنه في نجاح أي موسم سياحي. فالسائح لا يعود إلى بلده وهو يتذكر المناظر الطبيعية وحدها، بل يحتفظ أيضًا بانطباعه عن تعامل الناس، ومستوى التنظيم، ونظافة المرافق، والشعور بالترحيب. وكلما ترسخت الثقافة السياحية في المجتمع، انعكس ذلك على جودة التجربة، وأصبحت أفضل رسالة تعرّف بظفار، وتشجع على زيارتها مرة أخرى.

ويقع على الجهات المعنية دور أساسي في تهيئة البيئة التي تشجع المستثمر على التوسع بثقة، سواء عبر تسهيل الإجراءات، أو دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، أو بناء خطة تسويقية تمتد على مدار العام، أو الاستفادة من البيانات والإحصاءات بعد كل موسم لتطوير الأداء في المواسم اللاحقة.

فالقرارات التي تستند إلى أرقام دقيقة تكون أقرب إلى النجاح من تلك التي تعتمد على الانطباعات العامة.

لقد منح الله ظفار ميزة طبيعية لا تتكرر في كثير من الأماكن، لكن قيمة هذه الميزة لا تقاس بعدد الزوار خلال ثلاثة أشهر فقط، بل بقدرتنا على تحويلها إلى اقتصاد مستدام يستمر أثره في بقية العام.

فالمواسم تصنع الفرص، أما التنمية الحقيقية فتصنعها الرؤية البعيدة، والتخطيط الجيد، والاستثمار الذي يرى ما بعد نهاية الموسم.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z