آن الأوان

 

 

عائض الأحمد

يتبارى الكُتّاب، و"المثقفون"، ومن يدّعي الخبرة والمعرفة، في كل مجالٍ تقريبًا، وكأن الرأي وحده قادرٌ على صناعة القرار أو التأثير فيه.

لكن الواقع الذي نراه جميعًا يقول شيئًا آخر؛ فالمؤسسات الكبرى، وقبلها الحكومات، لم تعد تُدير قراراتها بناءً على الانطباعات الشخصية أو الآراء المجردة، بل على دراساتٍ وتحليلاتٍ ووسائلَ حديثة، تقلّ فيها احتمالات الخطأ إلى حدها الأدنى.

لذلك، آن الأوان أن ندرك أن الرأي، مهما بدا بليغًا أو مقنعًا، لا يكفي وحده لصناعة قرارٍ يمس أمةً بأكملها. فليس كل من امتلك قلمًا امتلك أدوات القرار، وليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة.

لقد تجاوز العالم مرحلة الاجتهادات الفردية في القضايا الكبرى، وأصبح العلم والبيانات والمنهجية هي اللغة التي تُصنع بها القرارات، أما الرأي غير المؤسس فمكانه النقاش، لا قيادة المصائر.

في أحد الأحاديث الجانبية، قال أحد "المستصحفين": لقد حذّرتُ في مقالٍ كتبته قبل عامين من كارثةٍ بيئية ستقع على سواحل بنما، وقد رأيتها بعيني المجردة وبحسي الصحفي قبل وقوعها. ثم أردف بثقةٍ أكبر: أتدري؟ أنا دائمًا أسبق الأحداث بخطوات، وهذه موهبة لازمتني منذ صغري. ولم يكتفِ بذلك، بل أضاف: قلتُ يومًا إن الكرة السعودية ستكون الأولى عالميًا، لكن حساباتي تاهت في منتصف الطريق، وقد خانتني بعض الخيارات، ولولا ذلك لكانت مقالاتي النقدية اليوم واقعًا يتغنّى به مسيّرو الرياضة. وهذا غيضٌ من فيض؛ فما بالك بالاقتصاد وقراءة الأحداث الأخرى!

كنتُ أستمع إليه، ولم أجد ما يستحق المجادلة. فبعد كل حدث، يسهل على الجميع أن ينتقي من ذاكرته ما يوافق الواقع، ويترك عشرات التوقعات التي ابتلعها النسيان. ولو كانت صناعة المستقبل بهذه البساطة، لما أنفقت الدول ملياراتها على مراكز الأبحاث، ولا استعانت بخبراء الإحصاء وتحليل البيانات وصناعة السيناريوهات.

قد يقول قائل: وماذا عنك أنت؟ أقول: لستُ خارج هذا المشهد، وكاد المريب أن يقول: خذوني.

لها...

ليس أخطر من الجهل إلا الثقة التي تُستره؛ فبعض الناس لا يكتفي بأن يخطئ، بل يُعيد رواية أخطائه حتى تبدو في ثوب الإنجازات.

شيء من ذاته:

اقبلني كما أنا، وأنت حر فيما تراه.

نقد:

لا تسأل من حولك عمّا ظننته يقينًا، فيقع الردُّ كصاعقةٍ لم يسبقها برق.

الأكثر قراءة

z