خلفان الطوقي
لا تزال رحلة المحتوى المحلي مستمرة، التي لا يجب أن تتوقف، وسياسة "صنع في عُمان" عليها أن تصعد إلى سُلَّم أعلى، وأن تنتقل من مرحلة إلى مرحلة أخرى، والتطور المرحلي للصناعات والخدمات لما يُعرف بـ"القائمة الإلزامية" يجب أن يكون من المصانع العُمانية كأولوية أولى لكل مشاريع جهاز الاستثمار العُماني والشركات الحكومية التابعة له، إلى جانب الشركات شبه الحكومية التي يمتلك بها الجهاز حصة الأغلبية.
أضف إلى ذلك السياسات التطويرية التي تقوم بها هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي في تنفيذ المشاريع الحكومية، وأن يكون خيارها لمصنع أو خدمة مقدمة من شركات عُمانية توجد وتنتج في الأراضي العُمانية، بالإضافة إلى جهود الأجهزة العسكرية والأمنية في اختيار المصانع أو الشركات، وأن تكون لها الأولوية في الاختيار أو في التنافس لتنفيذ المشاريع أو الخدمات التي يحتاجون إليها.
هناك جهود نوعية تحتاج إلى مزيد من تسليط الضوء عليها، ويحضرني مبادرتان نوعيتان، هما: مبادرة "لدائن" التي تبنتها الشركة الحكومية (OQ)، ومبادرة "وطنها" التي تقوم بها الشركة العُمانية المساهمة العامة "فولتامب"، ولديهما أهداف عملية عديدة، وأهم هذه الأهداف: تشجيع القطاع الخاص العُماني على إقامة مشاريع صناعية معينة ومحددة في عُمان، وهاتان الشركتان بحاجة إليهما كجزء من سلاسل الإمداد، وشرائها بعقود مضمونة (Off-take)، وبعقود طويلة المدى، تضمن توطين الصناعات في المناطق الصناعية في سلطنة عُمان، وبالتالي تحقيق أهداف عديدة مثل التوظيف، وتقليل الاستيراد، وخلق بيئة استثمارية جاذبة، ورفع جودة المنتجات العُمانية لتتطور من ناحية، وتنتقل من مرحلة التصنيع لمصانع محلية لتكون مصانع مصدرة، وبالتالي رفع مستوى الميزان التجاري، وغيرها العديد من الأهداف الوطنية التي تسهم، بشكل أو بآخر، في تقليل التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني.
هناك جهود ومبادرات من جهات حكومية أخرى لم تُذكر في المقالة؛ لأن هذا الموضوع متجدد، ولأن هذه الرحلة مستمرة ومتجددة ومليئة بالتحديات وتداخل الأطراف والمصالح، لذلك لا بد من التطرق إلى هذا الملف الوطني بين فترة وأخرى، وبالرغم من ذلك، إلا أن مبادرتي "لدائن" و"وطنها" تجاوزتا الحلول التقليدية، وانتقلتا إلى مرحلة متقدمة، وبناءً عليه، لا بد من القيام بخطوات إضافية تكمن فيما يلي:
- دعم هاتين المبادرتين النوعيتين بكافة الإمكانيات الحكومية من تسهيلات وإعفاءات، وإعطائهما وزنًا واضحًا في إجراءات التناقص، وخاصة في المشاريع الحكومية أو في الشركات الحكومية أو شبه الحكومية، والمشاريع والخدمات التي تقوم بها الأجهزة العسكرية والأمنية، والانتقال إلى مرحلة أعمق من ذلك، وهي إعطاء وزن إضافي في المناقصات المعلنة من الشركات المساهمة العامة، وللإنصاف يمكن قياس جميع المبادرات النوعية المشابهة التي لم تُذكر في المقالة، وتسعى إلى تحقيق أهداف نوعية تعمل جنبًا إلى جنب مع الحكومة لتحقيق أهداف وطنية، والتي تشكل تحديات أزلية للحكومة، ولا يمكن حلحلة هذه العقبات إلا بالتكامل والشراكة مع القطاع الخاص.
- لقاء القائمين على هاتين الحملتين، ودراسة طرق دمجهما مع باقي المنظومة الوطنية لـ"صنع في عُمان"، ورحلة المحتوى المحلي، والاستماع إلى مرئيات القائمين على هاتين المبادرتين، لضمان تطورهما واستدامتهما، وتكرار قصص نجاحهما من خلال مبادرات خلاقة ومبتكرة يمكن تبنيها من آخرين، سواء كانوا من القطاع العام أو الخاص أو المدني من خلال الجمعيات والفرق الخيرية أو ما شابهها.
إن مبادرات مثل "وطنها" و"لدائن" ليستا مبادرتين عاديتين، ولا بد من قراءة ما بين السطور لمعرفة ما هي القيمة المضافة التي تضيفانها، ليس لطرف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كما هو واضح، إنما تلامسان العديد من المحاور الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وجميع البرامج الوطنية كبرنامج "استدامة"، وبرنامج "نزدهر"، وبرنامج "تشغيل"، وبرنامج "تنويع"، وهذه هي أهم البرامج المرجعية في السلطنة، وهاتان المبادرتان تلامسانها وتدخلان معها بشكل مباشر، لذلك مثل هاتين المبادرتين يمكن لهما أن تنقلا رحلة المحتوى المحلي إلى مستوى آخر، ويقللا من الرحلة الشاقة للمحتوى المحلي، لذلك لا بد من احتضانهما بمزايا استثنائية، وبما يستحقان، ومكافأتهما بما يقدمان من أفكار تقدمية وخلاقة، لهما ولكل شركات القطاع الخاص المساهمة في تقليل الأعباء الحكومية من ناحية، والمسرعة والممكنة لتحقيق رؤية "عُمان 2040".
