المتشرّد


حسين الراوي

مدّ كلتا يديه ببطءٍ وفتورٍ من تحت الغطاء، ثم رفعه عن رأسه، وأخذ يتحسّس ساعته التي خبّأها تحت الكرتون الذي ينام عليه، فلمّا أمسك بها أخذ يحاول، ناعسًا بنصف عين، أن يعرف إلى ماذا تشير عقارب الساعة. كان الوقت حينها الخامسة صباحًا، وكان البرد قارسًا لا يرحم، وأصوات السيارات تنطلق من جميع الاتجاهات تحت الجسر الذي اتخذه مأوى له، والسماء في تلك اللحظات مثقلة بالغيوم التي حجبت دفء الشمس عن المكان.

دفع الرجل السبعيني برجليه غطاءه البالي، ثم تربّع على فراشه الكرتوني، وارتدى طاقيته الشتوية التي أصابها الغبار وبعض عوالق الرياح، وأدخل كلتا يديه في قفازيه الممزّقين، وقام يجمع من حوله بعض كِسر الأغصان الصغيرة والحشائش اليابسة، وأضرم بها النار، وجلس أمامها ليستمدّ منها الدفء.

وبعد أن انتشر الدفء في جسمه النحيل، قام وأحضر حقيبته القماشية المهترئة، وعاد مجددًا أمام النار، وأخرج منها علبة معدنية كان قد فتح أحد طرفيها وأرجعه إلى الخلف، فسكب بداخلها الماء وجعلها على طرف النار. وبعد أن أخذ الماء يغلي بداخلها، أخرج كيس شاي فقذفه مع قليل من السكر في جوف العلبة المعدنية، وبعد لحظات أبعدها عن النار حتى تبرد. ثم أمسك العلبة، وأسند ظهره إلى جدار الجسر، ومدّ رجليه، وأخذ يشرب الشاي بهدوء، وهو يرمق السيارات وحركة الحياة عن يمينه وشماله بعينيه البائستين.

لحظتها رآه من بعيدٍ أحد المصورين المشهورين في البلد، فركن سيارته على الفور، وتناول كاميرته بسرعة، وبدأ بتجهيزها بعدسة ذات زوم مميّز ودقيق، وأخذ يترصّد حركات المتشرّد وهو يشرب الشاي. ثم أنهى المصوّر مهمته التي توقّف من أجلها بالتقاط صورة معبّرة لذلك السبعيني، ثم تحرّك بسيارته وانصرف وكأن شيئًا لم يكن.

بعد أسابيع، وبينما كان المتشرّد، بجسمه النحيل وثيابه الرثّة، يجوب الشوارع والطرقات يستجدي من الناس النقود، رأى حشدًا من الناس اصطفّوا للدخول إلى أحد المباني، فقال في سرّه: «ما هذا الحشد؟! إنها فرصة جميلة لأجمع منهم مالًا في وقت وجيز لن أستطيع جمعه في ساعات طويلة».

واتجه على الفور نحو ذلك الحشد أمام المبنى، وأخذ يستجديهم المال؛ فمنهم من كان يعطيه، ومنهم من كان يمنعه.

وبعد أن دخل معظم المصطفّين إلى داخل المبنى، حاول هو أيضًا أن يدخل، لكن حراس الأمن أمام المبنى منعوه، فحاول مرة ثانية فأمسكوا به وطردوه، ثم حاول للمرة الثالثة أن ينفذ نحو الداخل، فأمسك به حراس الأمن وضربوه ورموه بعيدًا عن بوابة المبنى.

فجلس على الرصيف أمام المبنى محتبئًا، حزينًا متألمًا، فانتزع طاقيته الشتوية المغبرة من على رأسه، وأخذ يتأملها، وتارة يتأمل في قفازيه الممزقين، وتارة يتأمل باقي ملابسه الرثّة، فقال ساخرًا: «هه! كيف لي أن أحلم بدخول المبنى مثلهم، وملابسي التي أرتديها واضحة لا تعرف الكذب! إنهم قوم لا يحبون صدق الفقراء».

ثم أخرج من جيبه سيجارة وأشعلها، وأخذ يسحب منها أنفاسًا عميقة، وهو يحدّق في بوابة المبنى. حينها توقّف باص متوسط الحجم يُقلّ عددًا من طلبة إحدى كليات الفنون الجميلة، أرادوا الدخول إلى المبنى، فقام مسرعًا ودخل في وسطهم واختبأ بينهم عن عيون حراس الأمن، فنجح أخيرًا في النفاذ إلى الداخل.

دخل الرجل الستيني المتشرّد إلى المبنى لكي يحقق هدفه في الحصول على بعض النقود التي سوف يستجديها من الناس في الداخل، وبينما كان يسير في ممرات المبنى وقاعاته، عرف أخيرًا أنه في معرض فوتوغرافي أُقيم لعرض بعض الصور للبيع، حيث كانت الصور الفوتوغرافية معلّقة على الجدران في كل الاتجاهات.

لم يكترث الرجل المتشرّد بالصور المعلّقة، وأخذ يمارس استجداء النقود من الحضور. وبينما كان يسير في قاعة المعرض مادًا يده، انتبه صدفة إلى أن هناك صورة لرجل ملامحه تشبه ملامح وجهه، وقد أخذت حيّزًا في صدر إحدى القاعات.

فاتجه نحوها ببطء، وهو لا يزال مادًا يده، حتى اقترب منها ووقف أمامها، وأخذ يدقق فيها للحظات، وفجأة التفت يمينًا وشمالًا، ثم ابتسم وقال: «إنه أنا! هاتان هما عيناي، والأنف أنفي، وكذلك الفم هو ذاته فمي». ثم وضع كلتا يديه أمامه، وأخذ ينظر إلى قفازيه، وقال: «وحتى هذان القفازان المهترئان في الصورة هما قفازاي، حتى العلبة هي ذاتها التي أشرب بها الشاي كل صباح».

ثم صرخ بصوت عالٍ: «إنه أنا… أنا أنا». فالتفت الحضور إليه، واقترب منه عدد منهم يسألونه عن أمره. فأقبل من بينهم صاحب المعرض، المصوّر الذي التقط له الصورة، فأمر حراس الأمن بطرده من القاعة.

فحمله حراس الأمن وهو يصرخ: «اتركوني… اتركوني»، فألقوا به خارج القاعة على الرصيف. وهناك جلس وحيدًا يبكي، وبعد لحظات تبعه محامٍ من داخل القاعة، فأخذ بيده ورفعه عن الرصيف، ثم أركبه معه في سيارته واتجه به نحو أحد المطاعم. وهناك، بعد أن أكل وشرب المتشرّد، عرض عليه المحامي أن يفوّضه قانونيًا ليقيم قضية على ذلك المصوّر الشهير الذي صوّره دون إذن منه، فوافق المتشرّد، ولأنه أميّ لا يحسن الكتابة والقراءة، بصّمه المحامي على التوكيل القانوني. ثم باشر المحامي في اليوم التالي رفع قضية ضد ذلك المصوّر.

وبعد شهور من المرافعات في المحاكم، صدر حكم ضد المصوّر يُلزمه بدفع تعويض مالي للرجل المتشرّد قدره خمسة ملايين دولار.

وبعد أن تم تحصيل المبلغ كاملًا، اتفق الرجل المتشرّد والمحامي على أن يتقاسما التعويض، بحيث يحصل كل منهما على مليونين ونصف المليون دولار.

اتخذ الرجل المتشرّد، عن طريق المحامي، سكرتيرًا يدير له شؤون حياته وتحركاته وما يحتاج إليه من أمور خاصة، واشترى شقة فاخرة، وسيارة فخمة مع سائق، وطاقمًا من الطباخين، وآخر لإدارة شؤون المنزل.

وبعد أن انتقل إلى شقته الرحبة، اعتاد سريعًا على الدفء والماء الساخن والنظافة والطعام الطازج، لكنه واجه مشكلة في عدم تكيّفه مع الهدوء الشديد الذي أحاط به، خصوصًا في غرفة النوم، إذ أصبح ينام بصعوبة، وإن نام، فإن نومه يكون قليلًا، مما أدى إلى الإعياء الجسدي والقلق النفسي والكآبة.

فلما عُرض على الطبيب المختص، ذكر أن صعوبة النوم ناتجة عن اعتياد جسده على الضوضاء، وأصوات الشوارع والسيارات، بحكم حياته الطويلة تحت الجسر، وأن علاجه يكون بأدوية منوّمة ومهدئة لفترة.

كما ذكر الطبيب النفسي أن الكآبة والقلق ناتجان عن العزلة المفاجئة، واختلاف نمط حياته، وأنه لم يعتد على الجدران والأبواب التي تعزله عن الناس، ونصحه ببعض الأدوية المهدئة لتسهيل التكيّف.

مضت ثلاثة أشهر، ومعاناة الرجل ما زالت مستمرة، ولم تنفعه تلك العقاقير، بل ازدادت حالته سوءًا وهمًّا وكآبةً وقلقًا.

وفي إحدى الليالي، اتجه إلى شرفة غرفته، وبيده سيجار، ووقف ينظر إلى الأفق، والناس تمشي في الشوارع، وأخذ يدقق في أضواء السيارات، ويصغي إلى الضجيج وحركة الحياة.

فرفع أنفه وأخذ يشم الهواء بعمق حتى انتشى، وقال: «كنت أعتقد أن الحياة هي المال الكثير، وأنها تُختصر في الفراش الوثير والمركب الفخم والطعام اللذيذ، لكني بعد أن جربت هذا النعيم، وجربت حياة التشرد، عرفت أن الحياة الحقيقية هي أن ينام الإنسان نوماً هانئاً بلا قلق ولا تفكير».

فرمى السيجار على الأرض وسحقه بحذائه، ثم اتجه مسرعًا نحو الخزانة، وأخرج منها ملابسه القديمة: بنطاله المرقع، وقميصه المتسخ، وطاقيته الصوفية، وقفازيه الممزقين، فلبسها، ثم نزل إلى الشارع… ولم يعد إلى الشقة من جديد!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z