د. سالم بن عبدالله العامري
مع دخول موسم الخريف، تتجه أنظار الآلاف من المواطنين والمقيمين والسياح إلى محافظة ظفار للاستمتاع بطبيعتها الخلابة، ويصبح طريق ريسوت-المغسيل أحد أكثر الطرق حيوية، كونه البوابة المؤدية إلى أبرز المقاصد السياحية، مثل المغسيل، وشعت، والفزايح، ومحمية خرفوت في ولايتي رخيوت وضلكوت، فضلًا عن كونه الطريق الرئيس الذي يستخدمه سكان الولايات الغربية للمحافظة، والمسافرون من وإلى محافظة المهرة بالجمهورية اليمنية.
غير أن هذا الطريق، الذي يفترض أن يكون شريانًا للحركة والتنمية والسياحة، أصبح مصدر قلق يومي لمرتاديه، نتيجة الحركة الكثيفة للشاحنات الثقيلة التابعة لشركات المحاجر والكسارات وغيرها من الشركات العاملة في المنطقة، بالتزامن مع استمرار أعمال تطوير الطريق التي لم تكتمل بعد، وهو ما يضاعف من المخاطر المرورية ويثير مخاوف مستخدميه.
ولعل هذه القضية ليست جديدة، فقد سبق أن تناولناها في مقال سابق بعنوان "طريق ريسوت-المغسيل... معاناة مستمرة وخطر يومي"، تناولنا فيه حجم المعاناة والمخاطر التي يعيشها مرتادو الطريق، إلا أن الواقع، للأسف، يشير إلى أن المشكلة ما زالت قائمة، بل ربما ازدادت تعقيدًا مع استمرار تزايد حركة الشاحنات، وعدم اتخاذ إجراءات كافية تحد من المخاطر.
ورغم الملاحظات والشكاوى المتكررة والمطالبات المستمرة من الأهالي ومرتادي الطريق، فإن الاستجابة لا تزال دون مستوى التحديات. صحيح أن الشركة المنفذة للمشروع اتخذت بعض الإجراءات المحدودة جدًا لتحسين جوانب الأمن والسلامة، إلا أنها تظل غير كافية أمام حجم الحركة المرورية وكثافة مرور الشاحنات الثقيلة، التي يرى كثير من سكان المنطقة أنها تمثل الخطر الأكبر على مستخدمي الطريق.
فالواقع الذي يعيشه مرتادو الطريق يوميًا يبعث على القلق. فالحوادث المرورية الخطيرة تتكرر بصورة لافتة، وبعضها ينتهي بخسائر مؤلمة في الأرواح والإصابات والممتلكات، في وقت ما تزال فيه أعمال الإنشاءات مستمرة، مع وجود تحويلات مرورية، وتضييق لبعض المسارات، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز اللوحات الإرشادية والتحذيرية وإجراءات تنظيم الحركة المرورية.
ويزيد من هذا القلق ما يشاهده مستخدمو الطريق من تجاوزات بعض سائقي الشاحنات الثقيلة، سواء من خلال السرعة الزائدة، أو التجاوز في أماكن غير آمنة، أو عدم مراعاة طبيعة الطريق وأعمال الصيانة القائمة عليه. ومع دخول موسم الخريف وازدياد أعداد الزوار والسيارات على الطريق، تصبح احتمالات وقوع الحوادث أكبر، وهو ما يستدعي تحركًا عاجلًا قبل أن تتكرر مآسٍ كان بالإمكان تجنبها.
ولأن الطريق يخدم شريحة واسعة من المواطنين والسياح، فإن سلامة مستخدميه ينبغي أن تكون أولوية لا تقل أهمية عن تنفيذ المشروع نفسه. فنجاح مشاريع البنية الأساسية لا يقاس بسرعة الإنجاز فحسب، وإنما بقدرتها على حماية الأرواح وتقليل المخاطر خلال مراحل التنفيذ وبعدها.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى اتخاذ إجراءات عملية وسريعة، في مقدمتها تخصيص مسار أو طريق مستقل للشاحنات الثقيلة التابعة لشركات المحاجر والكسارات، بما يحقق الفصل بينها وبين الحركة المرورية العامة، ويحد من احتمال وقوع الحوادث. كما أن وقف حركة هذه الشاحنات خلال موسم الخريف أصبح مطلبًا منطقيًا تفرضه طبيعة الموسم والكثافة المرورية التي يشهدها الطريق.
ولا يقل أهمية عن ذلك تعزيز الوجود الميداني لدوريات شرطة المرور، وتشديد الرقابة على سائقي الشاحنات، وتطبيق الأنظمة المرورية بكل حزم على المخالفين، مع إلزام الشركات المنفذة والعاملة في المنطقة بأعلى معايير الأمن والسلامة، بما في ذلك توفير التحذيرات الكافية، والإضاءة المناسبة، والتنظيم السليم للتحويلات المرورية، بما يضمن حماية مستخدمي الطريق طوال فترة تنفيذ المشروع.
لقد عبّر كثير من الأهالي ومرتادي الطريق، عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من المنابر، عن مخاوفهم ومطالبهم، وهي مطالب لا تنطلق من الرغبة في الاعتراض أو تعطيل مشاريع التنمية، بل من الحرص على الأرواح، والإيمان بأن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا عندما تسير جنبًا إلى جنب مع السلامة العامة.
ويبقى الأمل معقودًا على الجهات المختصة للاستجابة لهذه المطالب، واتخاذ ما يلزم من إجراءات عاجلة تعيد الطمأنينة إلى مستخدمي الطريق، حتى يتحول طريق ريسوت-المغسيل إلى نموذج يجمع بين التنمية الحديثة والسلامة المرورية، ويكون بوابة آمنة تليق بمحافظة ظفار، وبما تستقبله كل عام من آلاف الزوار، بعيدًا عن مشاهد الحوادث والقلق الذي بات يرافق كل رحلة على هذا الطريق.
