صالح الغافري
في عام 2024 أعلن اللاعب الكرواتي مارسيلو بروزوفيتش اعتزاله الدولي، وقال عبارته التي ستبقى درسًا في الحياة: "لم أعد قادرًا على تقديم أكثر مما قدمت، هناك مواهب كرواتية ستقدم الأفضل". لم تكن هذه الكلمات مجرد تصريح رياضي، وإنما إعلان عن فلسفة عميقة، وهي أن يعرف الإنسان حدود عطائه، وأن يترك المجال لغيره حين يحين الوقت. ولو انعكس هذا الدرس على واقعنا العُماني، لأصبح مشروعًا وطنيًا للتجديد.
غير أن الإنصاف يقتضي أن نقف أولًا وقفة إجلال وتقدير مع أولئك الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن، فهم رجال ونساء حملوا على عاتقهم مسؤوليات جسامًا، وقدموا الكثير في زمن كانت فيه الموارد محدودة، والتحديات جسيمة، ولهم منا كل الشكر، فهم لبنات أساسية في بناء مؤسسات الوطن، وأثرهم لا يُمحى من ذاكرة المجتمع.
ومع مرور الزمن، تتبدل الاحتياجات وتتغير التحديات، وما كان إنجازًا بالأمس قد يصبح اليوم عائقًا إذا لم يواكب التطور، وهنا تظهر البطالة المقنعة التي تحتاج إلى إحلال لزيادة الإنتاجية، فهناك موظفون يستمرون في مواقعهم بلا فاعلية حقيقية، ليس بدافع الأنانية، وإنما لأن الظروف المادية وكثرة الالتزامات تجعلهم غير قادرين على قول تلك العبارة.
الحمد لله أن هذا الوطن يتميز ببيئات اجتماعية متماسكة ومترابطة، وهي ثمرة تمسكنا بهويتنا الأصيلة، وقيمنا الراسخة، وأعرافنا التي صاغت وجداننا ووحدتنا عبر القرون، وهو سمت أصيل في التراحم والتكافل والوفاء. وهذا التماسك هو سر قوتنا، وهو ما جعلنا نقف دائمًا كالبنيان المرصوص في مواجهة التحديات. غير أن ما يثير الاستغراب هو: كيف يمكن للمواطن أن ينهض بدوره داخل أسرته ومجتمعه إذا خرج مثقلًا بالديون؟ فالإنسان، حين يحاصر بالالتزامات الثقيلة، يفقد جزءًا من قدرته على العطاء الاجتماعي، ويفقد روح التضامن، ويصبح عاجزًا عن أن يكون سندًا لأسرته أو عنصرًا فاعلًا في مجتمعه. لذلك فإن معالجة هذه الأعباء ليست مجرد شأن اقتصادي، وإنما قضية إنسانية واجتماعية تمس صميم تماسكنا الوطني.
يجلس موظف أنهكته السنوات، يحمل على كتفيه تاريخًا من العطاء، وفي قلبه قلق من الديون والالتزامات، وليس عجزه ضعفًا، وإنما هو مواطن يريد أن يترجل بكرامة ويترك المجال لأبنائه كي يكتبوا فصلهم الجديد. وحين يجد أن الوطن وفر له الأمان المالي، وأعفاه من الفوائد أو خفف عنه نصف الدين، سيشعر أنه لم يُترك وحيدًا، وسيكون قادرًا على قولها بطمأنينة: لقد قدمت ما أستطيع، وحان الوقت أن أفسح المجال لغيري.
ولأن الوضع يشهد تحسنًا ملحوظًا، فإن التفكير في حلول واقعية للقروض، وخاصة القروض الشخصية، يصبح ممكنًا، فلقد آن الأوان لمعالجتها، والنظر إليها بعين الرحمة والمسؤولية الوطنية. نعم، قد لا تسمح الظروف بإعفاء كامل للديون، لكن يمكن التدرج عبر إعفاء الفوائد أو شطب نصف الدين، بدلًا من الاكتفاء بجدولة القروض وإطالة سنوات السداد. ومثل هذه الخطوات ستخفف العبء عن الموظف، وتمنحه الأمان ليترجل بكرامة، ويترك المجال للشباب دون أن يكون أسيرًا للديون. وهنا تبرز الحاجة إلى شراكة وإرادة حقيقية تجمع بين الحكومة، والبنوك، والقطاع الخاص، حيث يمكن للشركات الكبرى ورجال الأعمال أن يسهموا في برامج دعم وحلول مشتركة لتخفيف هذه القروض، فهي غاية وطنية تتجاوز الحسابات المالية لتصون كرامة المواطن، وتعزز قيم التكافل والوفاء التي يقوم عليها المجتمع العُماني.
إن نجاح خفض الدين العام ليس مجرد رقم اقتصادي، وإنما نجاح في حياة الناس، ونجاح في كرامتهم، ونجاح في مستقبل أبنائهم، فهو يخفف العبء، ويمنح الأمان، ويعيد الثقة. وهكذا يصبح المواطن قادرًا أن يقول بطمأنينة: لقد قدمت ما أستطيع، وحان الوقت أن أفسح المجال لغيري. وهذه هي الرسالة الوطنية التي تجعل الاقتصاد في خدمة الإنسان، وتجعل الوطن يتجدد جيلًا بعد جيل.
ولكي تتحول مرحلة التقاعد إلى بداية حياة جديدة مليئة بالعطاء، يمكن أن تصاغ مبادرات وطنية تستهدف المتقاعدين، مثل إنشاء أندية اجتماعية للتواصل وممارسة الهوايات، وتنظيم برامج سياحة داخلية وخارجية بأسعار مناسبة، إلى جانب بطاقات تخفيضات للشراء تخفف من الأعباء المالية، ومتابعة صحية دورية تضمن لهم حياة آمنة. كما يمكن إشراكهم في أنشطة تطوعية ليستمر عطاؤهم بخبراتهم، وإتاحة برامج تعليمية قصيرة تمنحهم شعورًا بالتجديد والتطور. وإلى جانب ذلك، فإن تنظيم لقاءات سنوية أو دورات معرفية يتيح لهم الاطلاع على المستجدات في القوانين، والخدمات، والفرص. وهذه الجوانب التحفيزية ستعزز شعورهم بالاستمرارية والانتماء، ليبقى المتقاعد عنصرًا فاعلًا في المجتمع، يتجدد ويشارك في صناعة المستقبل.
وهنا نستحضر قول المولى عز وجل في سورة آل عمران: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، ونستذكر أيضًا حكمة عربية مشهورة تقول: "لكل زمان دولة ورجال". وهذه المعاني تتلاقى مع عبارة بروزوفيتش لتؤكد أن الحياة ليست ملكًا لجيل واحد، وإنما هي أمانة تُسلَّم من يد إلى يد، ومن قلب إلى قلب، لتستمر المسيرة بلا انقطاع.
