د. محمد جعفر**
شكلت مذكرة التفاهم التاريخية التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران في الثامن عشر من يونيو/حزيران 2026، منعطفًا حاسمًا وضع الإقليم أمام معادلة جيوسياسية جديدة. وعلى الرغم من خلو النصوص الرسمية المتبلورة من ذكر قطاع غزة بشكل مباشر، إلا أن القضية الفلسطينية، وفصائل المقاومة على وجه الخصوص، كانت الحاضر الأبرز في خلفيات المشهد وديناميكيات الضغط الميداني التي قادت الطرفين إلى طاولة المفاوضات في إسلام آباد، وصولًا إلى التوقيع اللاحق.
يعكس هذا المسار تحولًا استراتيجيًا في إدارة الصراعات الإقليمية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول موقع غزة وفصائلها في ضوء هذه التفاهمات؛ إذ يُعد موقف القطاع وفصائل المقاومة الفلسطينية من أكثر الملفات تعقيدًا، نظرًا للترابط العضوي بين جبهات "محور المقاومة" من جهة، والخصوصية الشديدة التي تتسم بها المفاوضات المتعلقة بغزة من جهة أخرى، لا سيما في ظل عمل "اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة"، ومخرجات قمة شرم الشيخ، والتنسيق المصري-التركي-الباكستاني، والدعم السعودي-التركي الماثل في خلفية المشهد.
وتسعى هذه القراءة التحليلية إلى تفكيك بعض التساؤلات، ورصد انعكاسات ورقة التفاهمات على المشهد السياسي والواقع الميداني للفصائل في قطاع غزة. ولا يمثل هذا التخصيص عزلًا للقطاع عن القضية الفلسطينية الأم، أو تجاهلًا لقضايا أهلنا في الضفة الغربية وباقي الأراضي المحتلة، بل هو محاولة موضوعية لاستشراف مستقبل القطاع في ضوء التفاهمات الأخيرة:
أولًا: السياق الاستراتيجي.. انكسار أهداف "الشرق الأوسط الجديد"
انطلقت الإدارة الأمريكية وحليفها الإسرائيلي في جولات التصعيد العسكري السابقة من فرضية إمكانية تطويع إيران، وإنهاء ملفها النووي، وتفكيك شبكة حلفائها الإقليميين، فيما عُرف بمشروع "الشرق الأوسط الجديد" أو محاولة إدخال المنطقة في "العصر الإسرائيلي".
بيد أن صمود الجبهات، وبقاء مضيق هرمز وممرات الملاحة الحيوية أوراقَ ضغطٍ استراتيجيةً بيد طهران، فرضا على واشنطن مراجعة حساباتها؛ ليفضي المشهد إلى اعتراف أمريكي ضمني بالدور الإقليمي لإيران بوصفها لاعبًا لا يمكن تجاوزه. وقد تسبب ذلك في حالة إحباط عميقة داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية، سواء في التحالف الحاكم أم في المعارضة، باعتبار أن الاتفاق يمثل إعلانًا بإنهاء الحرب دون تحقيق "النصر المطلق" الذي روّج له بنيامين نتنياهو.
ثانيًا: مقاربة وحدة الساحات وضغط الميدان
مثّل التصعيد العسكري الذي انطلق من قطاع غزة وتمدد عبر الجبهات الإقليمية في لبنان واليمن والعراق الضغطَ الميداني الأكبر الذي دفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إدراك عدم جدوى الحلول العسكرية المنفردة. وكان ترابط هذه الجبهات، الذي تشكل فصائل المقاومة في غزة نواته الصلبة، المحرك الذي أجبر واشنطن على الجلوس إلى طاولة المفاوضات للبحث عن صيغة تهدئة شاملة مع طهران؛ تجنبًا لحرب إقليمية واسعة.
وفي المقابل، نجد أن تحرر إيران من الضغوط الاقتصادية وفك تجميد أصولها المالية سيوفر لها فائضًا من القوة والنفوذ. وبما أن إيران نجحت في ربط وقف الحرب على أراضيها بوقف التصعيد في الجبهة اللبنانية، فإن ذلك يثبت نجاعة استراتيجية "ترابط الجبهات"، ويعزز فرضية عدم تخلي طهران عن أوراقها الإقليمية.
وعليه، قد تصبح فصائل المقاومة في غزة أكثر تحصينًا سياسيًا وعسكريًا، باعتبارها جزءًا من معادلة الردع التي أجبرت واشنطن على التراجع، بل ويكسبها ذلك وضعًا تفاوضيًّا أفضل لفرض شروطها المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل وكسر الحصار، مستندةً إلى دعم إقليمي ومبادرات حية تطرح "حل الدولتين" مخرجًا وحيدًا يعيد الاستقرار ويمنح الإقليم الأمن المنشود.
ثالثًا: هل نُصَّ على قطاع غزة صراحةً في البنود؟
تشير التسريبات المؤكدة من كواليس المفاوضات في جنيف إلى أن الوفد الإيراني نجح في وضع خطوط حمراء واضحة؛ حيث تم إخراج ملف دعم فصائل المقاومة في المنطقة، والبرنامج الصاروخي الإيراني، بصورة نهائية من جدول أعمال المفاوضات.
وتعني هذه الخطوة أن طهران رفضت تقديم أي التزام بقطع علاقاتها أو تقليص دعمها التسليحي والمالي للفصائل الفلسطينية مقابل رفع العقوبات أو الحصول على تمويل لإعادة الإعمار.
وقد نص البند الأول في مسودة مذكرة التفاهم على: "وقف دائم وفوري للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان". ويتضح جليًا أنه قد جرت هندسة الصيغة إيرانيًا لتشمل "جميع الجبهات" كحزمة واحدة، وهو ما أكده وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في تصريحاته بأن "وقف إطلاق النار يشمل بشكل قاطع جبهات المحور ككل لمنع الاستفراد بأي جبهة".
أما سعيد خطيب زاده، نائب وزير الخارجية الإيراني، فقد صرح للجزيرة بأن إيران "تسعى لتحقيق السلام على الجبهات كافة، بما فيها غزة، وأدرجنا لبنان في مذكرة التفاهم لارتباطه المباشر بالحرب"، مضيفًا أنه "لا سلام أو استقرار في لبنان والمنطقة دون إنهاء الاحتلال والتزام إسرائيل بالقانون الدولي".
ومع ذلك، ورغم الشمول اللفظي والتصريحات المتداولة، فإن المسودة تفتقر إلى أي آليات تفصيلية مخصصة لقطاع غزة، مثل ملف تبادل الأسرى، ومحور فيلادلفيا، أو الانسحاب الإسرائيلي من القطاع. وقد تُركت هذه التفاصيل لمسارات التفاوض المستقلة التي تجري عبر الوساطة المصرية القطرية الأمريكية المباشرة مع حركة حماس.
وفي هذا السياق، يرى معهد دراسة الحرب (ISW)، بالتعاون مع مشروع التهديدات الحرجة (CTP)، في تقاريره الصادرة بالتزامن مع توقيع الاتفاق، أن الصيغة التي فُرضت في البند الأول للمذكرة هي نتاج مباشر لنجاح ما يُعرف بـ"محور المقاومة" في ربط الساحات. وتشير القراءة الاستراتيجية للمعهد إلى أن طهران تمكنت من توظيف الضغط العسكري الممتد من غزة إلى لبنان واليمن لفرض "معادلة ردع شبكية"، أجبرت الإدارة الأمريكية على صياغة بند وقف إطلاق النار ليظلل حلفاء إيران، مما يعني حماية الضغوط الميدانية التي وُلدت بالأساس تضامنًا مع غزة.
وفي قراءة تحليلية أخرى نشرها معهد نيو لاينز للاستراتيجية والسياسة (New Lines Institute) عقب الإعلان عن الاتفاق، أشار الخبراء إلى أن التفاهمات تمثل "ترميزًا سياسيًا لواقع الميدان (Political Codification of a Battlefield Reality)".
ويرى المعهد أن الحرب والضربات المتبادلة أثبتت لواشنطن أن استمرار تفجر ملف غزة والساحات المرتبطة به يجعل من المستحيل تأمين الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر دون صيغة تهدئة شاملة مع طهران. وبالتالي، كانت غزة البيئة الأمنية والمغناطيس الجيوسياسي الذي جذب الطرفين إلى طاولة المفاوضات.
ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من أن التفاوض كان يدور حول ملفات تقنية واقتصادية تخص إيران مباشرة، فإن المسعى الأمريكي كان يهدف بالأساس إلى "تبريد" النزاعات في الشرق الأوسط. وفي كواليس هذه التفاهمات، يُنظر إلى تخفيف الضغط الاقتصادي عن إيران وضمان أمن الملاحة بوصفهما أداتين لتهدئة الجبهات التي تتحرك إسنادًا لغزة.
وهو ما يؤكد أن غزة وفصائلها لم تكن غائبة، بل كانت المحرك غير المرئي الذي صاغ البيئة الأمنية والسياسية التي وُلدت من رحمها هذه التفاهمات، ولن تكون غائبة عن مفاعيل وترتيبات الوضع النهائي الذي سيتمخض عنه أي اتفاق نهائي بوصفها شرطًا ضمنيًّا لتحقيق الاستقرار المطلوب أمريكيًّا.
تجدر الإشارة هنا إلى وجود اتجاه تحليلي يفترض أن تتحرك إيران ببراغماتية، وأن تُبقي على بعض الساحات "الشيعية"، تاركةً قطاع غزة والفصائل "السنية" لمصيرها، ترضيةً للقوى الدولية وبعض الدول العربية، مكتفيةً بالدعم السياسي السائد في المنطقة، مع التركيز على الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار.
وفي تقديري، فإن هذا التحليل أقرب إلى الرغبة منه إلى الواقع؛ فالقائلون به يتجاهلون مدى تمسك إيران بأوراق قوتها الاستراتيجية، وإلا لما دخلت الحرب أصلًا إلى جانب حلفائها. فهي تتعامل مع محور المقاومة بوصفه شبكة نفوذ جيوسياسي متكاملة، لا مجرد تحالف مذهبي بحت.
كما أن الدعم المقدم من طرفها للقضية الفلسطينية يمنح طهران شرعية سياسية وأخلاقية في الشارع العربي والإسلامي؛ إذ يسهم في كسر العزلة عنها، ويقوض السردية التي تحاول تصويرها باعتبارها دولة طائفية تبحث عن مصالح ضيقة.
كذلك، فإن التخلي عن هذه القضية من شأنه أن يفقد إيران إحدى أهم ميزاتها التنافسية بوصفها قوة مناهضة للهيمنة الغربية في مواجهة خصومها الإقليميين، فضلًا عن حرمانها من خط دفاع متقدم يُشغل خصومها في عمقهم الاستراتيجي، ويسهم في بناء حزام أمني متعدد الجبهات.
رابعًا: معضلة الموقف الإسرائيلي والتحفظ على الاتفاق
شعرت الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية بحالة من الخذلان جراء السلوك الأمريكي في المفاوضات، الذي تعمد عزل إسرائيل وعدم اطلاعها على ورقة التفاهمات قبل توقيعها، رغم طلبها ذلك بصورة رسمية، وهو ما عكس حجم التوجس الإسرائيلي العميق من الاتفاق.
ووفقًا للتقارير الصادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP)، يرى الباحثون أن التفاهمات جاءت لتجهض استراتيجية "النصر المطلق" الإسرائيلية. كما رصدت التقارير التصريحات الرسمية الإسرائيلية التي حاولت التنصل من شمولية الاتفاق لجبهتي لبنان وغزة.
وقد انتهجت إسرائيل نهجًا تصعيديًّا لإثبات أن هذه التفاهمات لا تلزمها؛ فواصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ ضربات ومداهمات داخل قطاع غزة، محاولًا منع الفصائل من استثمار مناخ التهدئة الإقليمي لإعادة تنظيم صفوفها أو تثبيت شرعية اللجنة الوطنية لإدارة غزة بعيدًا عن الإملاءات الإسرائيلية.
كما سعت إلى عقد لقاء قمة بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب للاتفاق على صياغات تفسيرية تضمن لإسرائيل حرية الحركة العسكرية، والإبقاء على سياسة الاغتيالات في مختلف الجبهات، الأمر الذي دفع إيران إلى إغلاق مضيق هرمز والاحتجاج على ما عدّته عدم التزام أمريكي بالبند الأول من الاتفاق.
في الختام، تجدر الإشارة إلى أن التفاهمات الأمريكية-الإيرانية، وإن بدت في صياغتها متمحورة حول الملف النووي، والعقوبات، والملاحة في مضيق هرمز، إلا أن اختبارها الحقيقي يكمن في مدى قدرتها على الصمود أمام تعقيدات الملف الفلسطيني. وستظل فصائل المقاومة في غزة رقمًا صعبًا في أي ترتيبات إقليمية قادمة؛ إذ أثبتت التحولات الأخيرة أن أي محاولة للقفز فوق حقوق الشعب الفلسطيني أو الاستفراد بقطاع غزة، ستظل كفيلة بتفجير أية تفاهمات دولية، وإعادة الإقليم مجددًا إلى المربع الأول من الصراع.
**كاتب وباحث
