ترامب إلى عالم الفوضى

 

 

 

خالد بن أحمد الأغبري

 

الفشل الفادح الذي يواجهه ترامب في حربه ضد إيران جعله متسرعًا في تصرفاته وتصريحاته، وأصبح يكثر الكلام في ظل نظرته المتعالية وفلسفته النكراء التي أخرجته من عباءة المسؤولية العقلانية إلى عالم الفوضى وعدم المصداقية في رواياته ورؤيته، التي تنتهك سيادة الدول وحقوقها المشروعة؛ لضمان تحقيق المشروع الصهيوني نتيجة التراكمات العبثية التي فرضتها العقلية الصهيونية الأمريكية من أجل فرض السيطرة على دول المنطقة وضمها ضمن مشروع دولة إسرائيل الكبرى، التي من خلالها يتم نزع سيادة تلك الدول وفرض الوصاية الصهيونية عليها؛ لتشمل مختلف مفاصل الحياة والحدود الجغرافية واحتلالها بشتى الطرق والوسائل، كخطوة بعيدة المدى تأتي ضمن استراتيجية مشروع الدين الإبراهيمي الذي نشأ على حساب الأديان السماوية، في محاولة لخلط الأوراق بين الحق والباطل وتهميش بقية الأديان، خلافًا لما قاله الله تعالى: }إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ{. وهذا ما دعا ترامب إلى أن يخرج عن طوره ويستعمل صيغة التهديد والابتزاز ضد عُمان وغيرها من الدول، في سابقة غير محسوبة العواقب، بينما عُمان تلتزم بالمبادئ الأخلاقية والشرعية الإنسانية، وتدعم الحلول الدبلوماسية، وتحترم حقوق الآخرين، وتدعو الجميع إلى حلحلة قضاياهم الشائكة بالطرق السلمية وفق منهج الخالق سبحانه وتعالى: لا ضرر ولا ضرار. ولها مبادرات ومواقف إنسانية وأخلاقية واضحة ومشهود لها بالعقلانية والشفافية والنزاهة التي تصب في مصلحة الجميع. وقد يُعذر ترامب على هذا التهديد لأسباب قد تكون نفسية وعاطفية أخذت منه جهدًا كبيرًا، وضغوطًا خارجية أفقدته الكثير من معطيات الحكمة ونهج القادة الراشدين، خاصة وأنه يندفع وراء الحسابات المادية والأمور الاقتصادية التي يرى فيها فرصة سانحة لتحقيق المزيد من الإنجازات المزعومة، ولتحقيق مصالح إسرائيل بصفة خاصة، على اعتبار أن لها الأفضلية والأحقية دون سواها، بغض النظر عن حقوق الإنسان وحقوق الآخرين وما يترتب على ذلك إزاء العلاقات الدولية، مهما كانت النتيجة.

إن الانتهاكات الخطيرة والتحديات المتزايدة باتت واضحة على مستوى العالم، وأصبحت تشكل خطرًا جسيمًا وتحديات كبيرة وضغوطًا اقتصادية واجتماعية وأمنية أنهكت المجتمع الدولي، وباتت تجسد واقعًا مؤلمًا تمتد آثاره بشكل متزايد لتشمل كافة مفاصل الحياة العامة والخاصة، دون أن تجد في المقابل من يقوم بتصحيح مسارها ويعيد لها توازنها ويصلح لها شأنها؛ لكي تستمر الحياة في أجواء هادئة وشرعية عادلة ومنظومة متكاملة تعمل على إرساء قواعد العدالة والمساواة والتسامح والتعايش، بما يحقق المصالح العليا للدول المتضررة من تلك المواقف السلبية ويضمن لها حقوقها المشروعة.

إن التعاطي الحذر مع ما تشهده المنطقة من تهديدات وتجاذبات واختراقات في المنظومة الأمنية يدعو إلى إيجاد آليات عملية لتسوية شاملة في إطار عادل من التفاهمات والمسارات التي تخدم جميع الأطراف، والتي عانت، ولا تزال تعاني، من ضغوط سياسية واقتصادية تدفع بالمنطقة إلى حالة من الترقب والقلق نتيجة تلك التهديدات التي تتلقاها بعض الدول من قبل أعدائها، بما يضطرها إلى العودة لمراجعة حساباتها والأخذ بالحيطة والحذر، ومضاعفة جهودها للدفاع عن أراضيها وحقوق شعبها في مسعى جاد وحاسم لترسيخ مرتكزات الأمن والاستقرار، والتوافق على الحلول الدبلوماسية والإنسانية التي ترضي وتحقق جميع تطلعات شعوب المنطقة وتحفظ حقوقها بالكيفية التي تراها متوافقة مع مصالحها.

إن المنغصات والمتناقضات والمفارقات السلبية تأتي في سياق المعتقدات الفاسدة التي تفرز الكثير من المعطيات غير الآمنة بسبب الأحداث المفتعلة والسياسات المتهورة، التي أخذت اهتمامًا معاكسًا للفطرة السليمة، وذلك على خلفية ما يرتكبه البعض من خلال تلك النظرة الحقودة والمتعالية التي تعبث بحياة الناس وسط صراع تقليدي معني بتغذية منابع الفتنة والتحريض عليها، وارتكاب أنواع مختلفة من الجرائم في ظل تلك الظروف الصعبة التي يعيشها العالم نتيجة المواجهة الصهيونية التي أصبح شغلها الشاغل يتمركز في تدمير الدول المستضعفة، وسفك دماء الأبرياء، والقضاء على مخالفيها، واحتلال أراضيهم، والاستيلاء على ممتلكاتهم، في تطور يندى له جبين الأحرار ويقلل من شأن القوانين والتشريعات والمنظمات الدولية، التي تأتي انطلاقًا من المبادئ الحميدة والنوايا الحسنة والتوجه السليم، والذي من خلاله يتوجب على المجتمع الدولي أن يفرض سياسته المتزنة تجاه ترجمة نظرته للواقع الذي يعيشه، مما يجعله قادرًا على فهم الحياة بصورتها الحقيقية، وألَّا نعطيها أكثر من حجمها، وأن يعمل جاهدًا من أجل إيجاد منظومة متكاملة من القيم المعرفية والمعنوية والمبادئ الأخلاقية؛ لكي نتعامل مع جميع الظروف والأحوال بكل الشفافية والوضوح، حتى يضمن الجميع أن يكونوا على قدر عالٍ من الكفاءة في النهوض بواجباتهم الإنسانية، وتحمل مسؤولياتهم، والتكيف مع مرئيات المجتمع الدولي الإيجابية، وصولًا إلى تحقيق تطلعاته بما يتوافق مع رضى خالقنا سبحانه وتعالى، وأن نكون حذرين إلى أبعد الحدود حتى لا نقع فيما لا تُحمد عقباه.

عندما نرى الإنسانية تتراجع عن دورها الإنساني، وتظل تتأرجح في مواقفها وتسير في طريق غير واضح المعالم نتيجة ما تواجهه من تحديات واضطرابات اجتماعية وفكرية ونفسية تؤثر سلبًا على عناصر الحياة وعقيدتها الدينية، ويبقى الوضع السياسي والأمني غير مستقر، فمن خلال هذا التحول ينبغي علينا جميعًا أن نبحث عمَّا بداخلنا من إخفاقات ونعمل على تصحيحها ومعالجتها بما يحفظ لها مكانتها الوطنية ويجعلها تعيش بأمان وسلام وروح معنوية عالية وعدالة قائمة على مبدأ المساواة. كما ينبغي على المجتمع الدولي أن يكون في مستوى المسؤولية لوقف الزحف الذي يهدد السلم والاستقرار، بما يجعله يستبدل مكانه الخوف والقلق، دون مراعاة لما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة ومخاطر تغير مجرى الأحداث من سيئ إلى أسوأ.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

حفظ الله عُمان دولةً وسلطانًا وحكومةً، وأدام الله على أمتنا نعمة الأمن والأمان والاستقرار، إنه ولي كريم.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z