مرتضى بن محمد جواد الجمالاني**
إن الاستماع إلى آراء الموظفين، ولا سيما في المستويات الوظيفية المبتدئة (Junior)، يعد من أهم المؤشرات على جودة بيئة العمل وكفاءة الإدارة. وعندما تظهر ملاحظات متكررة تتعلق بالمساواة في المعاملة، أو تقييم الأداء، أو تضارب المصالح، أو الالتزام بقوانين العمل واللوائح الداخلية، فإن هذه القضايا تستدعي دراسة موضوعية، وتحقيقًا مهنيًا، واتخاذ الإجراءات التصحيحية المناسبة.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المهم الذي تقوم به وزارة العمل في تعزيز العدالة الوظيفية وتكافؤ الفرص والشفافية، بما يتكامل مع الأدوار التنظيمية المشابهة التي تقوم بها هيئة حماية المستهلك في نطاق اختصاصها.
ومن الأدوات الحديثة التي تدعم الحوكمة المؤسسية اعتماد نظام تقييم الأداء من أسفل إلى أعلى (Upward Feedback) أو نظام تقييم 360 درجة، بحيث يُتاح للموظفين تقييم الجوانب القيادية والإدارية للمسؤولين، من حيث العدالة، والتواصل، والالتزام المهني، مع ضمان السرية والموضوعية، واستخدام هذه التغذية الراجعة كأداة تطوير وتحسين، وليست أداة عقابية فقط.
كما تُعد خطط التطوير الوظيفي والتخطيط للتعاقب الوظيفي (Career & Succession Plans) القائمة على الجدارة والكفاءة وتكافؤ الفرص، من الركائز الأساسية لبناء قيادات مستقبلية، وتعزيز الاستقرار المؤسسي، والحد من تضارب المصالح، ورفع كفاءة الأداء.
ومن الملاحظات التي تُطرح في بعض بيئات العمل انتقال بعض الرؤساء التنفيذيين أو المديرين العموميين بين المؤسسات، مصحوبين ببعض أعضاء فرقهم السابقة. ورغم أن هذا الأمر قد يكون مشروعًا إذا تم وفق إجراءات شفافة ومعايير توظيف عادلة، إلا أنه قد يؤدي في بعض الحالات إلى تقليص فرص الترقية الداخلية، وإضعاف مسارات تطور الكفاءات الوطنية داخل المؤسسة.
التوازن بين الخبرة والتخصص الأكاديمي
في بعض بيئات العمل، قد يُنظر إلى أصحاب الخبرة العملية على أنهم أكثر تحفظًا أو يحملون رؤى نقدية أو "سلبية" تجاه بعض القرارات. إلا أن هذا التصور لا يعكس بالضرورة الواقع، بل يعود غالبًا إلى اختلاف زاوية النظر؛ فصاحب الخبرة يعتمد على تراكم التجارب السابقة وما نتج عنها من نجاحات وإخفاقات، مما يجعله أكثر ميلًا إلى التحليل الحذر وتقليل المخاطر.
وفي المقابل، قد توجد حالات يشغل فيها بعض الأفراد مناصب قيادية أو إدارية بناءً على مؤهلات أكاديمية عالية، مثل درجة الدكتوراه، إلا أن خبراتهم العملية في بيئة العمل التنفيذي أو الإداري قد تكون محدودة نسبيًا. وهنا قد يظهر التحدي عندما لا يكون التكوين النظري مدعومًا بالخبرة التطبيقية الكافية في إدارة الواقع العملي ومتطلباته المتغيرة.
إن قوة المؤسسات تكمن في تحقيق التوازن بين هذين البعدين: المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية، وبين التفكير التحليلي والفهم التطبيقي. فنجاح الإدارة الحديثة لا يقوم على إقصاء أحد الطرفين، بل على التكامل بينهما بما يحقق أفضل قرارات ممكنة.
وفي المحصلة، تسهم هذه الممارسات في فهم أسباب دوران الموظفين (Staff Turnover)، ومعالجتها من جذورها، وتعزيز برامج التدريب والتطوير، ورفع مستوى الرضا الوظيفي والإنتاجية.
إن العدالة الوظيفية ليست مطلبًا للموظفين فحسب، بل هي استثمار في رأس المال البشري، وأحد أهم مقومات نجاح المؤسسات واستدامتها. فكلما تعززت الشفافية والمساءلة والحوكمة، ورسخت مبادئ الجدارة وتكافؤ الفرص، زادت ثقة الموظفين، وانخفضت معدلات دورانهم، وارتفعت الإنتاجية، وتدعمت القدرة على استقطاب الكفاءات الوطنية والاحتفاظ بها، بما يخدم تنافسية الاقتصاد الوطني ويحقق مستهدفات رؤية "عُمان 2040".
**خبير التأمين وباحث اقتصادي متخصص
