د. سليمان بن علي البلوشي**
تخيّل أنك، قبل نهائي كأس العالم في قطر 2022، عرفت مسبقًا كل ما سيحدث في المباراة: الأهداف، وعودة فرنسا، والوقت الإضافي، وركلات الترجيح، وحتى هوية البطل. لن يتغير شيء في المباراة نفسها؛ ستبقى كل لمسة كما كانت، وكل هدف سيُسجَّل في الدقيقة ذاتها، ومع ذلك، سيختار كثيرون ألا يعرفوا هذه المعلومات مسبقًا.
تكشف هذه التجربة الذهنية مفارقة تتجاوز كرة القدم، فما يتغير ليس المباراة، وإنما قيمتها بالنسبة إلى المشاهد. في معظم الأنشطة الاقتصادية، تُعد المعرفة موردًا يزيد القيمة؛ فالشركات تستثمر في التنبؤ، والعلم يتقدم بتحويل المجهول إلى معرفة، والأسواق تكافئ من يقلص مساحة عدم اليقين. أما كرة القدم فتبدو استثناءً لافتًا، فكلما تقلص عدم اليقين، تقلصت قيمة المنتج نفسه، ولو عُرفت النتيجة قبل البداية، لانتهى السبب الذي يدفع الجمهور إلى المشاهدة، رغم أن كل عناصر المباراة ستبقى كما هي.
وهنا تبدأ المفارقة الحقيقية، فنحن أمام واحدة من أكبر الصناعات الترفيهية في العالم، لكنها تقوم على أصل لا تستطيع إنتاجه، بل إن محاولة إنتاجه مباشرة تقضي عليه؛ لأن إدراك الجمهور أن عدم اليقين صُنع عمدًا يكفي لتجريده من معناه. ولذلك قد لا يكون السؤال الصحيح: كيف تحقق كرة القدم قيمتها؟ بل: ما القيمة التي تتداولها هذه الصناعة أصلًا؟
السوق لا تشتري ما نظن
حين تدفع شبكات البث مليارات الدولارات للحصول على حقوق البطولات الكبرى، يبدو أنها تشتري المباريات. لكن المباريات ليست سلعة نادرة؛ فهي تُقام بالآلاف كل عام، ولا يتحول إلا عدد محدود منها إلى حدث يشد انتباه العالم. كما أن جودة اللاعبين وحدها لا تفسر هذه القيمة، وإلا لحظيت كل المباريات التي تجمع كبار النجوم بالاهتمام نفسه.
وقد يُقال إن الجمهور يدفع مقابل الجودة الفنية، لا مقابل عدم اليقين، غير أن الجودة، مهما بلغت، لا تكفي لتفسير الظاهرة؛ فالمباريات الاستعراضية التي تضم أفضل اللاعبين نادرًا ما تستقطب الاهتمام نفسه الذي تحظى به مباراة تحمل رهانًا حقيقيًا. والمهارة ترفع مستوى المنافسة، لكنها لا تمنحها معناها، فما يجعل الأداء جديرًا بالمتابعة ليس مستواه وحده، بل كونه يحدث في سياق لا يعرف أحد كيف سينتهي.
ولهذا تحتفظ ذاكرة اللعبة بالمباريات التي أبقت المستقبل مفتوحًا أكثر مما تحتفظ بالمباريات الأكثر إتقانًا. لم يصبح نهائي مونديال 2022 حدثًا استثنائيًا لأنه بلغ ذروة الكمال الفني، بل لأنه قاوم اليقين حتى لحظاته الأخيرة، وما كان يشد ملايين المشاهدين لم يكن ما حدث، بل ما ظل ممكنًا أن يحدث. ومن هنا تبدو الفرضية التقليدية بحاجة إلى مراجعة، فالمباراة ليست المنتج النهائي، بل الوعاء الذي يحمل قيمة أكثر تجريدًا، فما يتداوله السوق ليس مجرد أداء رياضي، بل تجربة يعيش فيها الملايين المستقبل نفسه وهو لا يزال مفتوحًا.
حين يكتشف الاقتصاد قيمة لم يصنعها
وتقود هذه الملاحظة إلى سؤال أوسع: هل كل ما تتداوله الأسواق من صنعها أصلًا؟ يميل الاقتصاد إلى الحديث عن خلق القيمة، لكن الأسواق لا تبتكر دائمًا ما تتداوله؛ فالذهب، والثقة، والسمعة، واللغة، كلها سبقت الأسواق، ثم جاءت الأسواق لتنظم تداولها، فهناك موارد اجتماعية لا تُنتج داخل الاقتصاد، وإنما يبني الاقتصاد نماذجه فوقها.
وقد تكون كرة القدم من هذا النوع، فالاهتمام الجماهيري لم يكن نتيجة الاستثمار، بل شرطه، ولم تخلق الشركات قيمة المنافسة، وإنما اكتشفتها ثم بنت حولها صناعة عالمية. لكن ما الذي اكتشفته؟ ليس اللاعبين، ولا الملاعب، ولا البطولات، بل موردًا أكثر خفاءً: لحظة لا يعرف فيها أحد ما الذي سيحدث بعد دقيقة واحدة. ولذلك تبدو كرة القدم أقرب إلى مؤسسة تحمي موردًا اجتماعيًا هشًا منها إلى مصنع ينتج سلعة تقليدية؛ فهي لا تخلق المصدر الذي تقوم عليه إيراداتها، وإنما تعتمد على بقائه.
المباراة ليست المنتج
إذا كانت المباراة تفقد معظم قيمتها بمجرد معرفة نتيجتها، فهذا يعني أن الجمهور لا يستهلك الحدث الرياضي في ذاته. فلو أُعيد بث نهائي 2022 اليوم، فلن يكون أقل جودة، لكنه لن يكون التجربة نفسها، فما اختفى ليس ما جرى على أرض الملعب، بل العلاقة التي كانت تربط المشاهد بالمستقبل.
ولهذا تختلف المباراة عن الفيلم أو الرواية، فالأعمال الفنية تحتفظ بقيمتها بعد معرفة النهاية، بل قد تزداد عمقًا مع تكرار مشاهدتها، أما المباراة فتستهلك جزءًا كبيرًا من قيمتها في الزمن الذي يسبق اكتمالها. إن ما يعيشه الجمهور ليس مجرد سلسلة أحداث، بل مشاركة جماعية في حاضر لم يُحسم مستقبله بعد، وبهذا المعنى، تغدو كرة القدم تجربة معرفية نادرة، لا مجرد عرض رياضي.
حين يهدد النجاح مصدره
إذا كانت قيمة اللعبة تقوم على مورد لا يمكن إنتاجه مباشرة، فإن نجاح الصناعة لا يخلو من مفارقة أخرى، ففي معظم القطاعات، يقود النجاح إلى زيادة الإنتاج، أما في كرة القدم، فيمكن زيادة عدد المباريات، لكن لا يمكن زيادة عدد المباريات التي تحمل معنى حقيقيًا. فالأهمية ليست قرارًا تنظيميًا، بل ظاهرة اجتماعية تنشأ من اقتناع الناس بأن شيئًا ذا قيمة على المحك. ولهذا يصبح التوسع الاقتصادي محفوفًا بالمخاطر، فكلما تضاعفت البطولات، تراجعت ندرة الأحداث المهمة، وتوزع اهتمام الجمهور على عدد أكبر من المنافسات.
ويكشف الجدل الذي أثاره مشروع «السوبر ليغ» الأوروبي عام 2021 هذه المعضلة بوضوح، فلم يكن الاعتراض على بطولة جديدة فحسب، بل على احتمال إضعاف العلاقة بين الاستحقاق الرياضي والمكانة الاقتصادية. فإذا أصبحت المشاركة امتيازًا دائمًا، وتراجعت مخاطر الإقصاء، ضعفت المخاطرة التي تمنح المنافسة معناها. وكان اعتراض الجماهير، في جوهره، دفاعًا عن هذا الشرط، حتى وإن لم يُصَغ بهذه اللغة، فالصناعة قد تجد نفسها، من حيث لا تدري، تستهلك المورد الذي تعيش عليه... ولهذا لا يصبح السؤال: كيف تزيد كرة القدم إيراداتها؟ بل: كيف تتوسع من دون أن تُضعف الشروط التي تجعل تلك الإيرادات ممكنة أصلًا؟
حدود السيطرة
ولا تقف هذه المفارقة عند حدود الرياضة، فقد اعتدنا أن نقيس نجاح المؤسسات بقدرتها على السيطرة على مصادر قيمتها، لكن ليست كل القيم قابلة للإنتاج المباشر؛ فالجامعة لا تمنح نفسها سمعة أكاديمية بقرار، والمحكمة لا تفرض الثقة بأحكامها بقوة القانون، والصحيفة لا تشتري المصداقية بحملة إعلانية، فهذه قيم تنشأ من اعتراف المجتمع، لا من إرادة المؤسسة. وما تستطيع المؤسسات فعله ليس إنتاجها، بل حماية الشروط التي تسمح بظهورها، فالثقة، والشرعية، والسمعة، وعدم اليقين التنافسي، جميعها موارد لا تُصنع، وإنما تنشأ حين تمتنع المؤسسة عن تقويض القواعد التي تمنحها الحياة.
وكرة القدم تنتمي إلى هذه الفئة، فهي لا تنتج الإثارة، بل تحمي الشروط التي تجعلها ممكنة: منافسة مفتوحة، وقواعد مستقرة، واستحقاقًا رياضيًا يحظى بالثقة. فإذا بقيت هذه الشروط، ظهر عدم اليقين بوصفه نتيجة طبيعية، أما إذا اختلت، فلن تستطيع أي أدوات تسويقية تعويضه.
ما الذي تبيعه كرة القدم حقًا؟
يمكن الآن العودة إلى السؤال الأول... ما يشتريه الناس ليس الأهداف، ولا المهارات، ولا النتائج، إنهم يشتركون في تجربة يعيش فيها المستقبل مفتوحًا أمام الجميع، فلا أحد يعرف ما الذي سيحدث بعد اللحظة التالية. وهذه هي القيمة التي تجعل المباراة تختلف عن معظم المنتجات الثقافية؛ فالكتاب أو الفيلم يحتفظان بقيمتهما بعد معرفة النهاية، أما المباراة فيوجد جزء كبير من قيمتها في المسافة الفاصلة بين الحاضر والمستقبل، حيث يبقى كل احتمال قائمًا. ومن هنا لا تزدهر صناعة كرة القدم لأنها تنتج هذا المورد، بل لأنها تحرسه، فقواعد المنافسة، واستقلالية التحكيم، والاستحقاق الرياضي، ليست مجرد ترتيبات تنظيمية، بل هي البنية التي تصون المورد الذي تقوم عليه اللعبة كلها.
ولعل هذا هو الدرس الذي تتجاوز به كرة القدم حدود الرياضة، فهي تكشف أن بعض الموارد الأكثر قيمة في حياة المجتمعات لا تُنتج كما تُنتج السلع، بل تنشأ داخل منظومات من الثقة والشرعية والمنافسة، ولا تملك المؤسسات سوى صون الشروط التي تسمح لها بالظهور، وكلما حاولت السيطرة عليها مباشرة، كانت أول ما تفقده... وفي هذا تكمن المفارقة؛ فأعظم ما تملكه بعض المؤسسات ليس ما تستطيع إنتاجه، بل ما تعرف كيف تحميه من الإفساد.
**كاتب وباحث رياضي
