أبوي المعلم "يسقيك الله"

 

 

عائشة بنت أحمد بن سويدان البلوشية

أكاد أجزم أن جميع أجيال الثمانينيات فما قبل قد مرَّت بهذه الجملة المهذبة. عندما كان الواحد منا يستأذن معلم القرآن ليشرب الماء، كانت كل قرية تحرص على أن يكون لديها معلم لتحفيظ القرآن. وبما أن المعلمة جوخة بنت زهران العبرية -رحمها الله- كانت تسكن في شمال العراقي، فقد كان صعبًا علينا نحن الفتيات الحفظ على يديها بسبب بُعد المسافة. ولا يفوتني المقام هنا أن أذكر المعلم سعيد بن سالم العبري -رحمه الله- الذي كان يقوم بهذه المهمة للصبيان في العراقي قاطبة، وقد تتلمذ والدي -رزقني الله حسن بره وصحبته- على يديه.

ولأنني من الجيل الذي أنعم الله عليه بالالتحاق بالمدارس النظامية التي انتشرت في سلطنة عُمان من أقصاها إلى أقصاها بعد تولي جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- الحكم عام 1970م، فقد ارتبط الصيف بالكثير من الفعاليات، التي تجعلنا، ما إن نتناول وجبة العشاء، حتى نبدأ في البحث عن الوسادة من شدة التعب. فبداية اليوم، وبعد شروق الشمس، تبدأ مهمة التقاط خلال النخيل، بعدها نتناول وجبة الإفطار، ونتوجه فورًا إلى حلقة القرآن عند المعلم محمد القبيلي -رحمه الله-، وله أدين بتعلمي الحروف قبل أن أبدأ في قراءة القرآن وحفظه على يديه. ولن أنسى تربيته الصارمة، حيث لا تفارق الخيزرانة يديه (عصا من جريد النخل الأخضر)، فهو يتلقى التعليمات من الأهالي بتأديب أبنائهم إذا ما اقترفوا أي خطأ.

وأذكر أنه في إحدى المراحل كان أحد الأولاد قد ألحقته والدته -رحمهم الله جميعًا- بالدراسة ضمن حلقة العلم، وكان يكبرنا سنًا، وكان المعلم يجلسه إلى جواره، ولكن ذلك الصبي المشاكس أصبح يتغيب عن الحضور. ولا أنسى ذلك اليوم الذي عرف فيه معلمنا القبيلي -رحمه الله- أن ذلك الصبي كان يتسكع في الضواحي حتى يمر وقت الدرس. وبعد أسبوع ظهر ذلك الصبي ليحضر الحلقة، وهنا طلب المعلم -رحمه الله- من الصبية الركض خلفه والإمساك به، وكنا نحن نتابع المطاردة البطولية حتى أوقعوه أرضًا وأتوا به. وبالطبع، كان يجب على ذلك الصبي أن يرضخ لأي عقوبة، وإلا فإن المعلم سيذهب إلى والدته، وربما يضربه أمامها. لذا، فقد طلب من الصبية ربطه في جذع السدرة، وهنا كان للخيزرانة صوت مسموع، ولذلك الصبي أصوات، وفرائصنا نحن الصغار ترتعد خوفًا. أما المعلم فكان يقول مع كل ضربة: «أمنتك أمانة، وسألتك عنها»، وهنا يقصد أن والدته عهدت به إليه لتعليمه، وسوف تسأله إذا لم يحفظ ولدها القرآن عن السبب. لذلك كانت مهمة التعليم والتربية تقع على عاتق المعلم حينها. كنا إذا ما صادفنا معلمنا في الدرب نبادر بالتحية المسبوقة بـ: «أبوي المعلم«.

إن ما دفعني لاسترجاع هذه الشذرات من ذاكرتي هو مشاهدتي لمسلسل كوري بعنوان (سنلقنكم درسًا)، فقد ضاقت وزارة التعليم ذرعًا بالتنمر وانتشار العصابات في المدارس، الأمر الذي أدى إلى انتحار أحد الطلبة، أو إقدام أحد المعلمين على إنهاء حياته، وغيرها من الظواهر التي بدأت في التفاقم بسبب خفوت هيبة المعلم ودوره مع الطلاب. فما كان من الوزير إلا أن ينشئ مكتبًا لحماية خدمة التعليم. كذلك مشاهدتي لمقطع متداول في مواقع التواصل من إحدى الدول العربية، يخلص إلى أن اختفاء هيبة المعلم لعب دورًا كبيرًا في هدم المعنى الجليل لعلاقة المعلم بتلاميذه، والعكس، وهو ما يدق ناقوس الخطر؛ حيث يجب الاستعداد مسبقًا لمستقبل ليس ببعيد، فرياح مواقع التواصل تحمل معها كل أنواع البذور.

إن أثمن شيء في الحياة هو الوقت، وتزيد قيمته بما تملأ به ساعات يومك، وكلما خسرت دقيقة لن تستطيع استردادها أبدًا. لذلك أرفع القبعة لكل من قام باستغلال أوقات فراغ أبنائه، واستثمرها في الأنشطة والفعاليات المفيدة، وما أكثر العروض التي تقدمها المراكز الصيفية، حيث تتنوع ما بين النظري والعملي، علاوة على الأنشطة الرياضية وغيرها. فأطفالنا طاقات عظيمة، لا يجب أن نجعلها تهدر في الشجار والخلاف في المنزل، أو الجلوس أمام شاشات التلفزيون أو الهواتف، أو النوم لساعات متأخرة في النهار، بحجة أنهم تعبوا من الدراسة، بل علينا تشجيعهم وتحفيزهم لاكتساب مهارة، أو تنمية هواية، أو غرس قيمة، حتى لا تتعطل عقولهم، وتتجمد مهاراتهم، ويخسر الوطن، في المقابل، شبابًا كانوا قادرين على الإنتاج الفكري والعملي لو تم توجيههم في طفولتهم نحو الدرب الصحيح.

توقيع:

»الوقت لو زان لك يا صاح ما دامِ.. يا سرع ما تعترض دربك بلاويها.
حتَّى وليفك ولو هيَّم بك هيامِ.. سيور الأيام تجنح به عواديها«.

الأمير خالد الفيصل

الأكثر قراءة

z