حمد الناصري
في زمن تُهرول فيه البشرية نحو رقمنة كل شيء، وتكاد المادة فيه تبتلع الروح، وتذوب الخصوصيات الثقافية في قوالب العولمة الصمّاء، جاء الصوت من مسقط ليدوي في أروقة منظمة "اليونسكو" بباريس. لم يكن مجرد إعلان دبلوماسي، بل كان بيانًا حضاريًا رفيع المستوى؛ أطلق فيه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- "جائزة اليونسكو - السلطان هيثم للتراث الثقافي غير المادي". هذه المبادرة ليست مجرد مكافأة مالية أو تقدير عابر، بل هي "صكّ أمان" وتعهد تاريخي تقوده سلطنة عُمان لحماية أثمن ما تملكه الشعوب: ذاكرتها الحيّة، وهويتها غير المرئية.
إن التراث المادي من قلاع ونقوش وهياكل أثرية يمكن ترميمه بالحجر والأسمنت، أما التراث غير المادي -من حكايات وأساطير، ونغمات الرعاة، وأسرار الحرف التقليدية، وطقوس الأفراح والأعراس، ومراسم العزاء، وغيرها من المناسبات الاجتماعية- فهو روح الهوية المهددة بالزوال. وتتجلى أروع تجسيدات هذا التراث في عادات "المُواساة" كنمط اجتماعي عُماني متفرّد، يلتف فيه المجتمع بأسره طيلة ثلاثة أيام متتابعة، تمتد مواساتهم وتلاحمهم من شروق الشمس حتى مغيبها دون انقطاع.
إن مشاعر الفرح والتواسي العُمانية هي قطعة من فسيفساء إنسانية فريدة صاغتها منظومة القيم الأصيلة؛ سمة حضارية عُمانية لن تنمحي من وجدان هذا الشعب أدبًا وأخلاقًا، حتى وإن ذوت هذه الشمائل في مجتمعات أخرى من حولنا. لقد تفردت عُمان بهذه الخصوصية الأخلاقية، وكأنها نحتت في بيئة عصية على التبدل مهما تغيرت العواصف من حولها. ومن هنا تنبع عبقرية هذه الجائزة السلطانية، التي تذهب مباشرة لترميم الوعي البشري، وتحصين الهويات المحلية للشعوب من التلاشي؛ فالأمن والسلام لا تصنعهما دهاليز السياسة، بل تصونهما وتضمن ديمومتهما حيوية الثقافة.
وتنطلق هذه المبادرة الدولية من رؤية سلطانية ثاقبة تعبّر عن فلسفة عميقة تؤمن بأن النزاعات والصراعات لا تنبت أولًا على الحدود الجغرافية، بل تولد في عقول البشر حين يجهلون إرث الآخر أو يستصغرون قيمه. ومن هنا تأتي الجائزة التي أعلنها جلالته في اليونسكو لتقلب هذه المعادلة التقليدية، وتؤسس لأبعاد استراتيجية بالغة الأثر؛ إذ تعيد الاعتبار للإنسان البسيط -من الصانع الحرفي بمختلف مهاراته إلى الراوي والمؤرخ الشعبي- بوصفه المكوّن الأساسي والشريك الفاعل في حياكة التاريخ الحضاري للبشرية.
إن هذه القوة الناعمة تتشكل من قيم عُمانية متجذرة، ترسخ مكانة السلطنة عالميًا كأيقونة فريدة في التسامح والتعايش الأصيل، محولةً التراث الثقافي غير المادي إلى لغة إنسانية مشتركة تبني جسور التواصل وتذيب الخلافات بين الشعوب. كما أنها تصنع توازنًا دقيقًا بين مقتضيات المعاصرة وثوابت الأصالة، تجسيدًا لمستهدفات "رؤية عُمان 2040"؛ لتثبت الجائزة أن الحداثة الحقيقية لا تعني التبرؤ من الموروث أو الانسلاخ من الجذور، بل هي اندفاعة واثقة نحو آفاق المستقبل بأقدام راسخة في الأرض.
عُمان.. حاملة لُبان السلام بنفحات سارية في عروق الزمن؛ إذ لا يمكن عزل هذه الجائزة الدولية عن العمق التاريخي للسلطنة، فالإنسان العُماني لم يكن يومًا منكفئًا أو منغلقًا على ذاته. لقد جابت الأساطيل العُمانية البحار العميقة والمحيطات المفتوحة على الحضارات، وحملت في صواريها التجارة واللبان، ونشرت ثقافة الوئام والأمان، فاقتبست من الآخرين ما ينفعها، وتركت في كل مرفأ وطئته أثرًا طيبًا وذكرًا جميلًا. وكان لحسن أخلاق العُماني ورفعة سجاياه رصيد ضخم تجلى اليوم في هذا المحفل الثقافي الأممي الرفيع (اليونسكو)، لتعلن السلطنة للعالم أجمع أنها ما زالت على عهدها الأصيل، حارسةً مخلصة للقيم، وراعيةً وفية للإبداع البشري.
خلاصة القول: إن هذه الجائزة الرفيعة هي تحية عُمانية نابضة بالتقدير لكل يد تصون الإرث التقليدي، ولكل حنجرة تردد أهازيج الأجداد في أقاصي الأرض. إنها تجسيد لقوة قيمية صادقة لا تُقاس أبدًا بضخامة الترسانات العسكرية والمادية، بل بعمق أثرها الوجداني والإنساني في ضمير البشرية، وقدرتها الفريدة على جعل هذا العالم مكانًا أكثر دفئًا، وتلاحمًا، وأمانًا للأجيال القادمة.
