تبكيك ذاكرةٌ بمنزلٍ كنت فيه تبتسمُ

 

 

عادل الحمداني

أحد إخوتي لديه خصلة جميلة، فحين تحدثه عن أمر يرد ببيتِ شعرٍ أو مثلٍ يُلخص فيه ما يريد قوله. ذات يوم أرسلت في مجموعة الواتساب صورة بيتنا القديم الذي لم يعد أحد يسكن فيه، فرد بعبارة لم أعرف بادئ الأمر هل هي من عنده أم أنها مقتبسة من مكان ما: "تبكيك ذاكرةٌ بمنزلٍ كنت فيه دومًا تبتسمُ"، ولم يزد في القول عليها.

تركت العبارة لعدة أيام، وحين عدت للبحث عنها، جاء جواب محرك البحث بما معناه أنها تتحدث عن "الحنين الذي يزورنا في أبهى تفاصيله، ليقلب ضحكات الأمس إلى دموع صامتة". وأسهب في شرح الأماكن التي تبقى في الذاكرة محتفظة بأرواحنا التي كانت شاهدة على أيام مضت ووجوه رحلت. ولم يكتف بذلك، ليختم بعبارة أخيرة: "لا تلم عينيك إن فاضت، فإن الفراق على من ذاقه جللُ". عملية البحث قادتني إلى قصيدة تُنسب للشاعر العباسي أبي العتاهية، تتغير مواضع بعض الكلمات تقديمًا وتأخيرًا بحسب بعض من نقلوا القصيدة؟

في ذلك البيت الذي ما زال يحتفظ بجدران لم تتغير، وذاكرة متمسكة بحضورها القوي أمام عينيّ، كانت الضحكات تملأ المكان، وأظن أنها تتردّد حتى اللحظة دون أن نسمعها. وأظن أن حتى رائحة المكان باقية كما هي، عبق قديم ترسخ في أذهاننا قبل أن تتمسك به أنوفنا. فيه حكايات قديمة لا تشبه حكايات أبنائنا ولا اهتماماتهم اليوم. مصابيح قليلة، وأضواء شحيحة، وطقوس حياة مختلفة عن الحياة الحديثة. تشرق الشمس على ذلك البيت فتبدأ رحلة جديدة لوالدين حاضرين بيننا قبل أن يرحل أحدهما، تاركًا للآخر محاولة سد الفراغ قدر استطاعته. تشرق الشمس لتبدأ مع أولى تباشير الصباح تفاصيل أطفال لا يدركون حجم العالم في الخارج ولا ما يلزم لمواجهته. كنا نرى ما يراه والدانا، نضحك لضحكهما ونبتسم حين يبتسمان، ونقع في حيرتنا إذا ما عبسا أو ساد الصمت بينهما.

أخبرت إخوتي أنني لم أمر من أمام البيت لعدة سنوات، ليس ترفعًا، ولكن لأنني لا أقوى على تحمل سيل الذكريات التي تتزاحم في عقلي. كيف لي أن أمر من هناك دون أن أسترجع حكايات أحنّ إليها وأرغب في عودتها؟ في زوايا ذلك البيت ركضنا، وتشاجرنا، وتخاصمنا، وضحكنا، وفعلنا كل شيء يفعله الأطفال في سننا. المهم أننا كنا هناك أطفالًا نشبه غيرنا، لا نحسب حساب الوقت، ولا ندرك يقينًا نعمة تكفّل والدينا بكل ما يلزمنا؟

مرّ الزمن، وما عدنا نجد ما كان في ذلك الزمن.

كبرنا تاركين براءتنا خلفنا. تفرقنا، وإن كنا لم نفارق بعضنا. تغيرت ملامح وجوهنا، وبقي أثر طفيف فيها. تغيرت القصص التي نرويها بشفاهنا، لنروي قصصًا نكتبها عبر أجهزتنا المحمولة. لم يعد الكلام يُقال ويُسمع، بل أصبح يُكتب ويُرى.

أتذكر كل غرفة من غرف البيت، كما أتذكر الكثير من الحكايات التي شهدتها. بحساب هذه الأيام، تلك الغرف ضيقة، لكننا كنا نراها تتسع للكل في ذات الوقت. تلك النخلة التي زرعها جدي قبل سنوات من رحيله بقيت حاضرة وسط الدار، وأبينا أن نزيلها رغم اليباس الذي لحق بها. نخلة الجد أخذت حقها في الحياة حتى لم يعد لها أن تبقى أكثر مما بقيت، فكان رحيلها محتوماً كما كانت حتمية رحيله.

يعيدني الأخ إلى ذكريات الجد، وكلاهما يحمل الاسم نفسه. نغادر البيت إلى آخر، ولا يغادرنا البيت ما بقينا في هذه الحياة. أبوابه مغلقة، لكن ذاكرتنا مفتوحة تصب حكاياتها. من كان يظن أن يؤول حاله إلى ما صار إليه؟ من كان يتخيل الفراغ الذي ملأه دون أن يبدده ساكن أو زائر عابر؟ كثيرة هي البيوت التي تشبه بيتنا، بعضها أزيل ولم يبق لها أثر، وبعضها تساقط بفعل الزمن وما عاد يُرى فيها صلاحٌ أو أملٌ.

صورة بسيطة فتحت ملفًا كنت أظن أنه اختفى. تعليق بسيط من أخي قادني لهذا الحديث ولكل الحنين الذي في العالم كله. ربما يكون أخي قد نسي ما قال، لكنني متيقن أنه لن ينسى اللحظات التي عايشها في ذلك البيت. وأكاد أجزم أن أخي يود أن نعود أطفالًا في بيتنا القديم، وأن نبقى أطفالًا لا نكبر، ولا نترك البيت وحيدًا مهجورًا، ولا نترك أنفسنا هكذا معلقين ما بين الذاكرة والحنين المؤلم هذا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z