د. إبراهيم بن سالم السيابي
كلما تحقق إنجاز في عُمان، وُلد معه طموح جديد لدى المواطن العماني. فالأوطان الحية لا تُقاس بما أنجزته فقط، بل بما يطمح أبناؤها إلى إنجازه غدًا. ولم يكن الطموح يومًا عبئًا على الأوطان، بل كان دائمًا القوة التي تدفعها إلى الأمام. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تتقدم بما تملكه من موارد فحسب، وإنما بما يملكه أبناؤها من تطلع دائم إلى الأفضل، وإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أجمل من اليوم.
وفي عُمان، كان طموح المواطن حاضرًا في كل مراحل البناء والتنمية، شريكًا في الإنجاز، ومصدرًا للإلهام، ودافعًا مستمرًا نحو المزيد من التطور والرفاهية. فالمواطن العماني بطبيعته لا يكتفي بما تحقق، ليس جحودًا للمنجزات، وإنما إيمانًا بأن النجاح الحقيقي يفتح أبوابًا جديدة للطموح والعمل.
ومن الطبيعي أن يتطلع المواطن إلى تعليم أفضل لأبنائه، ورعاية صحية أكثر تطورًا، وفرص عمل أوسع، وسكن مناسب، وخدمات أكثر كفاءة، ومستوى معيشة يواكب تطلعاته وطموحات أسرته. وهذه ليست مطالب بعيدة عن الواقع أو خارجة عن الممكن، بل هي التطلعات الطبيعية لأي مجتمع حي يسعى إلى التقدم والازدهار.
وفي المقابل، فإن الدولة لا تنظر إلى هذه الطموحات باعتبارها مطالب متزايدة، بل باعتبارها بوصلة توجه الخطط والبرامج والسياسات العامة. فالكثير مما تحقق على مدى العقود الماضية كان في الأصل استجابة لطموحات المجتمع وتطلعاته، بدءًا من بناء البنية الأساسية الحديثة، ووصولًا إلى التطوير المستمر في التعليم والصحة والخدمات والمشاريع التنموية في مختلف محافظات السلطنة.
ولعل من خصوصية التجربة العُمانية أن الطموح كان حاضرًا منذ البدايات الأولى لمسيرة النهضة، فالكثير مما نراه اليوم من منجزات كان في يوم من الأيام مجرد أحلام كبيرة قياسًا بالإمكانات المتاحة آنذاك. لكن الإرادة والرؤية والعمل المتواصل حولت تلك الأحلام إلى واقع ملموس، وهو ما عزز قناعة المواطن بأن ما يبدو بعيد المنال اليوم قد يصبح حقيقة في الغد.
ومع ذلك، فإن التنمية في أي دولة لا تتحرك بمعزل عن الإمكانات والموارد المتاحة. وعُمان، شأنها شأن بقية الدول، تتأثر بمتغيرات الاقتصاد العالمي وتقلبات أسعار النفط والغاز، وما يرافقها من انعكاسات على الإيرادات العامة والقدرة على تمويل المشاريع والخطط التنموية.
كما أن المتغيرات الإقليمية والدولية، وارتفاع تكاليف المشاريع، وتسارع النمو السكاني، ومتطلبات الاستدامة المالية، كلها عوامل تفرض على صانع القرار الموازنة بين سرعة الإنجاز والحفاظ على استقرار الاقتصاد وقدرته على الاستمرار في تلبية احتياجات الحاضر دون الإضرار بحقوق الأجيال القادمة.
ورغم هذه التحديات، فإن ما تحقق في عُمان خلال السنوات الماضية يؤكد أن مسيرة التنمية لم تتوقف يومًا. فشبكات الطرق والموانئ والمطارات تطورت، والخدمات الحكومية شهدت تحسنًا ملحوظًا، وبرامج التنويع الاقتصادي تمضي قدمًا، والاستثمارات الجديدة تفتح آفاقًا واعدة للمستقبل.
وهنا تتضح العلاقة الحقيقية بين الطموح والواقع؛ فهي ليست علاقة تناقض أو صراع، بل علاقة تكامل وتفاعل. فالطموح هو الذي يدفع الواقع إلى التطور، والواقع هو الذي يمنح الطموح مساره العملي وفرص تحققه.
أما المسافة التي قد يشعر بها البعض أحيانًا بين ما تحقق وما يطمحون إليه، فهي ليست دليلًا على عدم الرضا أو الرفض، وإنما مساحة طبيعية بين الإنجاز والطموح، وهي المساحة التي تدفع المجتمعات الحية إلى العمل المستمر والسعي الدائم نحو الأفضل.
ومن المهم هنا التمييز بين الطموح المشروع الذي يمثل قوة دفع للمجتمع، وبين التذمر السلبي الذي لا يرى في الواقع إلا جوانب النقص. فالطموح لا ينكر الإنجازات ولا يقلل من قيمة ما تحقق، بل ينظر إليها باعتبارها نقطة انطلاق نحو مراحل جديدة من التطور والرفاهية. أما التذمر، فإنه يقف غالبًا عند حدود المقارنة والانتقاد دون أن يضع في الاعتبار حجم التحديات أو طبيعة المراحل التي تمر بها عملية التنمية.
وفي عُمان، لم يكن ارتفاع سقف تطلعات المواطن يومًا مؤشرًا على عدم الرضا أو التقليل من المنجزات، بل ربما كان دليلًا على نجاح التجربة التنموية نفسها؛ فكلما تقدم الواقع واتسعت دائرة الخدمات والفرص، ارتفعت معه طموحات الناس وتطلعاتهم إلى مستويات أعلى من الجودة والكفاءة وسرعة الإنجاز.
ومن هنا، فإن المطالبة بالمزيد من فرص العمل، أو تطوير الخدمات، أو تحسين مستوى المعيشة، لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها شكوى من الواقع، وإنما تعبير طبيعي عن حيوية المجتمع وثقته بقدرة وطنه على تحقيق المزيد. فالأمم التي تتوقف عن الطموح تبدأ بالتوقف عن التقدم، بينما تبقى المجتمعات الحية في حالة سعي دائم نحو الأفضل.
فالمواطن ليس متفرجًا على التنمية، بل شريك فيها. بطموحه يحدد الاتجاه، وبمشاركته وإنتاجه ومبادرته يسهم في صناعة المستقبل، وبثقته في وطنه ومؤسساته يضيف إلى مسيرة البناء قوة جديدة كل يوم.
ولذلك فإن الطريق إلى تضييق المسافة بين الطموحات والواقع لا يكون بخفض سقف التطلعات، بل بزيادة قدرة الواقع على الاستجابة لها، من خلال رفع كفاءة الأداء، وتسريع الإنجاز، وتعزيز الشفافية، وتحديد الأولويات، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع، والاستمرار في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة.
وفي الختام، يبقى طموح المواطن العماني أحد أهم ثروات هذا الوطن، فهو ليس صوت اعتراض على الواقع، بل طاقة تدفعه إلى الأمام، وحافزًا للدولة لتطوير خططها وبرامجها، وسعيًا لا يعرف الكلل نحو مزيد من التقدم والرفاهية والازدهار.
وسيظل طموح المواطن العماني الوقود الذي يحرك الخطط، ويحفز البرامج، ويدفع مسيرة التنمية إلى الأمام، لأن الأوطان لا تُبنى بما تحقق فقط، بل بما يطمح أبناؤها إلى تحقيقه. فالطموح يرى في الإنجاز بداية لما بعده، أما التذمر فلا يرى في الإنجاز إلا ما لم يتحقق بعد.
