ما زال للعُسرة عثمان

 

محمد بن أحمد النهاري

قرأت كثيرًا في مناقب الصحابي الجليل وثالث الخلفاء الراشدين ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعادت إلى ذهني هذه الأيام منقبة من مناقبه التي تُعدُّ ولا تُحصى، وهي تجهيزه لجيش المسلمين في غزوة تبوك، الذي حثَّ النبي ﷺ المسلمين على المساهمة فيه ووعد بالجنة، فقام عثمان لها وجهز الجيش الذي سُمِّي بجيش العسرة لقلة المال والفاقة حينذاك، وقال ﷺ له: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ»، وقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُثْمَانَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ».

إنها مناقب ما وُثِّقت ولا حُفظت لتُقرأ على مضض من الفخر بأسلافنا، وإنما لتُؤخذ بها ويُسار عليها.. هُم سلف الأمة التي لا يغيب فيها الخير، وهم القدوة الحسنة.

إن النفوس الشريفة الرفيعة الغنية التي تستشعر فاقة أقرانها وتعطي من جود نفسٍ وسخاءٍ ومروءة يدٍ، وأوضع النفوس وأركسها تلك التي تعيش غنى البهيمية في المأكل والمشرب والملبس والتكاثر، ولا ترى في ألم القريب واجبَ تخفيف، ولا في المرض واجبَ زيارة، ولا في الفاقة واجبَ إغاثة. وأيُّ غنى هذا! تالله إنه لفقرٌ وتعسٌ وخيبةٌ وهلكةٌ لصاحب تلك الحال. فما الغنى؟ وما الملايين عند فقر القلب والنفس؟ إلا كحال ماشيةٍ ترعى في بساتين زاخرة، تأكل منها وتشرب وتتكاثر، ثم تنفق، ولا يُذكر لها مآثر، ولا مسيرٌ يُحمد، ولا عاقبةٌ تُخلِّف. إنها النفوس الوضيعة المحرومة من الغنى والثراء. قال ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس».

أما النفوس الشريفة الرفيعة الثرية غاية الثراء، التي تستشعر جوع غيرها وإن شبعت، وتمرض بمرض غيرها وإن عوفيت، وتحزن لمصيبة غيرها وإن أُعطيت، وتحب الخير الذي هي عليه لأقرانها وتبذله عطاءً أو نيةً؛ فتطعم الجائع، وتهوِّن على المريض، وتغيث الملهوف، وتسد الفاقة، فهي كالزارع يحرث الأرض، ويرعى المنبت، ويستشرف الحصاد، ويوم الحصاد يرقى فرحًا بالنتاج الوافر الذي رعاه وبذل جهده له. وشتان بين من يأتي الله بهذا الغنى والنفس الطيبة التي تُشمِّر عن يديها لكل علياء، وتدفع عنها كل رذيلة وصغيرة من صغائر الدنيا وشهواتها، وقدوتها في ذلك سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، الذي قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه».

واليوم، ما دعاني لاستعادة موقف سيرة جيش العسرة العظيم، الذي أرخ له التاريخ، وشهد خير البشر، ثم خير الصحبة، لسيدنا عثمان طيب يده وفعله، ما عرفناه من أخبار عن رجل الأعمال عثمان رعفيت، الذي بذل عقودًا من العطاء في الخير وسد حاجات الناس، وليس آخرها ما جادت به نفسه من تبرعٍ أثلج الصدور بمبلغ وقدره 100 ألف ريال للطفلين أحمد العجمي وسالم الشيدي، تقبلها الله منه خالصة.

نحن أمام شخصيةٍ فريدةٍ، ما دعت الحاجة إلا وبزغت ولمعت، سيرته تُكتب بالجود لتخلد في قلوب الناس، وشهادة الجمع يوم الجمع له بالخير. مآثر لم تعد تخفى عن الرجل، فأيُّ غنى قد أصبت يا أبا معمر؟ وأيُّ تجارةٍ لا تبور قد خضتها مع الله؟

حُقَّ لنا أن نختال بك في كل مجلسٍ ومشهد؛ ففعلك يجب أن يُغرس في أجيالنا القادمة، ويصير منبعًا لها وقدوةً تسير على دربك الذي مهد له السلف، وسرت عليه في سفرك العريض الزاخر بالطيب والجود، فنلت من اسمك نصيب عثمان الفعل والأثر، ورجل العسرة إذا احتُكمت. فالله ندعو أن يبارك في مالك وولدك، ويتقبل عطاءك بقبول حسن، «وخيركم خيركم لأهله».

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z