حمود بن سعيد البطاشي
لا شيء يوجع في النفس أكثر من أن نرى أبناءنا يقفون على أبواب المستقبل، ثم يشعرون أن الطريق الذي ساروا فيه سنواتٍ طويلة قد تغيّر قبل الوصول إلى نهايته؛ فالشاب العُماني لا يبدأ رحلته الجامعية مدفوعًا برفاهية الاختيار، بل بإيمانٍ عميق بأن التعليم هو الجسر الذي سيعبر به إلى حياة كريمة، وأن الدولة التي شجعته على التعلم ستظل شريكةً له حتى يبلغ غايته.
لذلك تتحمل الأسر أعباءً مالية كبيرة، ويقترض بعض الآباء من البنوك، ويختصرون كثيرًا من احتياجاتهم، ليقولوا لأبنائهم: "واصلوا تعليمكم... فالعلم هو الاستثمار الذي لا يخسر".
لكن ما يؤلم اليوم ليس صعوبة الطريق، وإنما الشعور بأن معالمه تغيّرت بعد أن قطع هؤلاء الشباب معظم المسافة.
لقد أثار اعتماد شروط جديدة للالتحاق ببرنامج التأهيل التربوي، ومن أبرزها ألا تقل نسبة دبلوم التعليم العام عن (80%)، وألا يقل المعدل التراكمي عن (2.7)، تساؤلات واسعة بين الطلبة والخريجين وأولياء الأمور، لا اعتراضًا على مبدأ تطوير جودة التعليم، وإنما على توقيت تطبيق هذه الاشتراطات بالنسبة إلى من التحقوا بالتخصصات التربوية وفق الأنظمة السابقة.
ولا خلاف على أن الارتقاء بمستوى المعلم هدفٌ وطني نبيل، ولا أحد يختلف على أن جودة التعليم تبدأ من جودة إعداد المعلم، لكن العدالة تقتضي كذلك أن تُمنح الفرصة الكاملة لمن التحقوا بالتخصصات وفق الضوابط التي كانت قائمة عند بداية دراستهم، وأن تُطبَّق أي اشتراطات جديدة على الدفعات القادمة، حتى لا يشعر أحد بأن قواعد المستقبل قد تبدلت وهو في منتصف الطريق.
ومن هنا يبرز سؤالٌ يستحق التأمل: ما مصير الطلبة الذين استثمروا سنوات عمرهم في التخصصات التربوية، ثم وجدوا أنفسهم أمام اشتراطات لم تكن موجودة يوم التحقوا بها؟ وهل توجد بدائل واضحة تضمن عدم ضياع تلك السنوات؟ وهل أُخذ في الاعتبار ما تكبدته الأسر من التزامات مالية ونفسية طوال هذه الرحلة؟
إن هذه الأسئلة لا تنطلق من موقفٍ معارض، وإنما من حرصٍ على أن تبقى الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة راسخة، كما عهدناها دائمًا.
إن مراجعة أي قرار عندما تظهر آثاره الاجتماعية ليست تراجعًا، بل هي إحدى صور الحكمة الإدارية التي تعزز الثقة، وتؤكد أن الإنسان يظل محور التنمية وغايتها.
ولذلك، فإن الأمل كبير في أن تعيد وزارتا العمل والتربية والتعليم دراسة آلية تطبيق هذه الاشتراطات، بما يحقق هدفين لا يتعارضان: رفع جودة مهنة التعليم، وحفظ الحقوق المشروعة للطلبة الذين اختاروا هذا الطريق وفق الأنظمة السابقة.
فالوطن لا يقاس بعدد المباني، ولا بحجم اللوائح، وإنما بما يحمله شبابه من أمل.
وحين يشعر الشاب بأن العدالة ترافقه منذ أول خطوة وحتى آخرها، فإنه لا يبني مستقبله فحسب، بل يبني وطنه أيضًا.
إن شباب عُمان لا يطلبون استثناءً، ولا يبحثون عن امتيازٍ خارج إطار النظام، وإنما يتطلعون إلى عدالةٍ تطمئن قلوبهم، وتحفظ ثقة أسرهم، وتؤكد أن الاستثمار في الإنسان سيظل أعظم استثمار في هذا الوطن.
ولعل أجمل القرارات هي تلك التي تحقق الجودة، دون أن تكسر خاطر من وثقوا بها منذ البداية.
