د. سالم بن عبدالله العامري
هناك مواقف لا تُقاس بالأرقام، وإن كانت الأرقام فيها مدهشة، ولا تُختزل في الإنجاز، وإن كان الإنجاز فيها استثنائيًا. إنها المواقف التي تكشف معدن الشعوب، وتختبر أصالة القيم، وتعيد تعريف معنى الانتماء الحقيقي للوطن والإنسان. ومن بين تلك المواقف المشرفة، برزت حملة علاج الطفل أحمد، المصاب بمرض ضمور العضلات (الدوشين)، لتكتب صفحة ناصعة في سجل العطاء العُماني، ولتقدم نموذجًا استثنائيًا في التكاتف الإنساني، التي ستبقى حاضرة في الذاكرة بوصفها ملحمة وطنية سطرها أبناء عُمان بقلوبهم قبل أياديهم، وكتبت ظفار عنوانها الأبرز: إذا نادى الواجب، لبّت ظفار النداء.
لم تكن القضية مجرد جمع مبلغ مالي كبير تجاوز المليون ريال عُماني لعلاج طفل يصارع مرضًا نادرًا، بل كانت امتحانًا للضمير الجمعي، ورسالة إنسانية عميقة مفادها أن المجتمع الذي يؤمن بأن الإنسان هو أغلى الثروات، لا يسمح بأن تقف التكاليف الباهظة حاجزًا أمام حق طفل في الحياة والعلاج والأمل.
وما إن انطلقت الحملة حتى تحولت إلى مشهد وطني استثنائي. تسابقت الأيادي البيضاء قبل الكلمات، وتعانقت المبادرات قبل الشعارات، وهبّ أبناء ظفار من أفراد وأسر، ومن مؤسسات وشركات، ومن رجال أعمال وشباب، ومن متطوعين ومتطوعات، يحمل كل منهم نصيبه من المسؤولية، ويؤدي دوره بإيمان راسخ بأن إنقاذ حياة إنسان هو أعظم استثمار يمكن أن يقدمه المرء لوطنه ومجتمعه.
لقد كان النجاح اللافت في الوصول إلى المبلغ المطلوب خلال أقل من أسبوع إنجازًا لا يعبّر عن القدرة على جمع المال فحسب، وإنما يعكس قدرة المجتمع على التنظيم، وسرعة الاستجابة، والثقة المتبادلة بين القائمين على الحملة والجمهور، وهو دليل على أن العمل الإنساني عندما يُبنى على الشفافية والإخلاص وحسن الإدارة، تتحول المستحيلات إلى حقائق، والأحلام إلى واقع.
ولعل من أجمل ما أظهرته هذه الحملة الدور العظيم الذي قامت به الفرق الخيرية والأهلية والمتطوعون والمتطوعات من أبناء محافظة ظفار. فقد كانوا الجنود المجهولين الذين عملوا بصمت وإخلاص، في الإعداد، والتنظيم، والتنسيق، والإعلام، والمتابعة، وبذلوا أوقاتهم وجهودهم دون انتظار شكر أو مقابل، مؤمنين بأن خدمة الإنسان شرف، وأن التطوع قيمة حضارية تعكس وعي المجتمع ونضجه.
لقد أثبت هؤلاء الشباب والفتيات أن روح المبادرة ما زالت نابضة في المجتمع العُماني، وأن رأس المال الحقيقي للأوطان ليس ما تملكه من موارد فحسب، بل ما تملكه من إنسان يؤمن بالمسؤولية، ويهب وقته وجهده وخبرته من أجل الآخرين. وهؤلاء المتطوعون كانوا بحق صورة مشرقة لعطاء أبناء هذا الوطن، وعنوانًا للأمل في حاضر أكثر إشراقًا ومستقبل أكثر تماسكًا.
كما جسدت الحملة نموذجًا رفيعًا للشراكة الوطنية بين المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمؤسسات المختلفة، في صورة تعكس التلاحم الحقيقي بين مكونات المجتمع كافة. فحين تتوحد الإرادة، وتتلاقى النوايا، يصبح تجاوز أصعب التحديات أمرًا ممكنًا، بل ومصدرًا للفخر الوطني.
ولم يكن هذا المشهد الإنساني العظيم غريبًا على سلطنة عُمان، ولا على أبناء ظفار على وجه الخصوص. فقد اعتاد العُمانيون، عبر تاريخهم الطويل، أن يكونوا أول الحاضرين عند الشدائد، وأن يتحولوا في أوقات الأزمات إلى جسد واحد، يتقاسم الألم كما يتقاسم الأمل، ويجعل من التكافل الاجتماعي ثقافة راسخة لا ترتبط بمناسبة عابرة، بل هي جزء أصيل من الهوية الوطنية.
كم من مواقف شهدتها السنوات الماضية، في الكوارث الطبيعية، والأزمات الإنسانية، والحالات المرضية، وغيرها من الظروف الاستثنائية، كانت شاهدة على هذا الخلق الرفيع، حيث تتقدم المروءة على الحسابات، ويعلو صوت الواجب على كل اعتبار، ويصبح السؤال الوحيد: ماذا نستطيع أن نقدم؟
وهذه الحملة ليست مجرد قصة نجاح في جمع التبرعات، بل درس وطني عميق في معنى المواطنة الحقة، ورسالة تؤكد أن قوة المجتمع لا تُقاس بما يملكه من إمكانات مادية فقط، وإنما بما يملكه من تضامن ورحمة، وقدرة على تحويل التعاطف إلى عمل، والعمل إلى إنجاز، والإنجاز إلى أمل جديد.
لقد أثبت أبناء ظفار، ومعهم أبناء السلطنة من أقصاها إلى أقصاها، أن عُمان وطنٌ إذا تألم فيه طفل، شعر بألمه الجميع، وإذا احتاج فيه إنسان، وجد من يمد إليه يد العون قبل أن يطلبها. وهذا هو المعنى الحقيقي للوحدة الوطنية؛ أن تتجاوز حدود الجغرافيا، وتلتقي القلوب على هدف واحد، فتذوب الفوارق أمام قيمة الإنسان.
وإذا كانت هذه الحملة قد انتهت بتحقيق هدفها والوصول إلى المبلغ المطلوب، فإن أثرها الحقيقي لن ينتهي. فقد تركت إرثًا أخلاقيًا وإنسانيًا سيبقى شاهدًا للأجيال على أن الخير ما زال حاضرًا، وأن العطاء لا ينضب، وأن المجتمع العُماني قادر، كلما دعاه الواجب، على أن يكتب صفحات جديدة من المجد الإنساني.
تحية لكل من أسهم في هذه الملحمة؛ لكل متبرع، ولكل متطوع، ولكل مؤسسة، ولكل يد امتدت بالعطاء، ولكل قلب آمن أن إنقاذ حياة طفل هو انتصار للإنسانية كلها.
ستظل حملة علاج الطفل أحمد شاهدًا حيًا على أن ظفار لم تلبِّ النداء فحسب، بل قادت ملحمة وطنية ستبقى عنوانًا للكرم، والسخاء، والتكافل، والتلاحم، ورسالة خالدة تقول: إن عُمان، قيادةً وشعبًا، ستبقى وطنًا يصنع الأمل حين يظن الآخرون أن الأمل بعيد.
