شمسة الريامية
سألتْ صديقةٌ لي والدتها، بنبرةٍ مازحة، عمّا إذا كانت ستقبل بالتبرع بأعضائها في حال وفاتها، إلا أن ردّ والدتها جاء حاسمًا برفض الفكرة بشكلٍ قاطع. هذه الاستجابة ليست حالة فردية، بل تعكس واقعًا موجودًا في شريحة من المجتمع العُماني؛ حيث لا يزال موضوع التبرع بالأعضاء يُنظر إليه باعتباره من القضايا الحساسة أو "الخطوط الحمراء" التي لا تقبل النقاش.
وقد شهد المجتمع العُماني مؤخرًا نقاشًا واسعًا إثر العملية الطبية التي أجراها المستشفى السلطاني للاستفادة من أعضاء مريض متوفى دماغيًا، حيث أثارت هذه الخطوة تساؤلات متعددة حول مدى تقبّل الأسر لمفهوم التبرع بالأعضاء، ومستقبل هذه العمليات في ظل الجهود المبذولة لتحويل التردد المجتمعي إلى قناعة إنسانية إيجابية.
ويُعد مفهوم الوفاة الدماغية من المفاهيم الطبية التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من التوعية، إذ تعني التوقف الكامل والنهائي لجميع وظائف الدماغ بشكل لا رجعة فيه، وهو ما يُعتبر وفاةً مؤكدةً من الناحيتين الطبية والقانونية. وفي هذه المرحلة، يمكن الاستفادة من الأعضاء الحيوية لإنقاذ حياة آخرين، حيث تشير التقديرات إلى أن شخصًا واحدًا يمكن أن يُنقذ حياة ما بين خمسة إلى ثمانية مرضى من خلال التبرع بأعضائه.
وتعكس هذه الخطوة التقدم الذي يشهده القطاع الصحي في سلطنة عُمان، خاصة بعد صدور قانون تنظيم نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية العام الماضي، الذي وضع إطارًا قانونيًا وأخلاقيًا واضحًا يضمن حماية حقوق المتبرعين والمرضى على حد سواء، ويعزز الثقة في هذا المجال الحيوي الذي يرتبط بشكل مباشر بإنقاذ الأرواح.
ورغم هذه التطورات، لا يزال التردد قائمًا لدى بعض الأسر، ويعود ذلك في كثير من الأحيان إلى نقص الوعي أو الاعتبارات العاطفية المرتبطة بحالات الوفاة، إلا أن الخبراء يؤكدون أن التبرع بالأعضاء من المتوفين دماغيًا يمثل أحد أسمى صور العطاء الإنساني، حيث تتحول لحظة الفقد إلى فرصة لإنقاذ حياة آخرين ومنحهم أملًا جديدًا في الاستمرار.
ويؤكد مختصون أن نشر ثقافة التبرع بالأعضاء يسهم في تعزيز روح التكافل المجتمعي، ويجسد أعمق قيم التضامن الإنساني، حيث يمكن للإنسان أن يترك أثرًا إيجابيًا يمتد إلى ما بعد حياته. كما أن رفع مستوى الوعي حول هذا الموضوع، وتوضيح الجوانب الطبية والشرعية المرتبطة به، يشكلان عاملًا حاسمًا في تغيير النظرة العامة وتبديد المخاوف.
وفي ظل وجود العديد من المرضى الذين ينتظرون فرصة لإنقاذ حياتهم من خلال زراعة الأعضاء، تبرز الحاجة الملحة إلى تعزيز الحملات التوعوية، وتشجيع المجتمع على تبني هذا المفهوم، لما له من أثر مباشر في إنقاذ الأرواح وتحسين جودة حياة المرضى.
وأخيرًا، يبقى التبرع بالأعضاء خيارًا إنسانيًا نبيلًا يعكس أسمى معاني العطاء، ورسالةً تؤكد أن الحياة يمكن أن تستمر في أشخاص آخرين، حتى بعد رحيل الجسد.
