علي عبدالله خليفة.. المثقف الطليعي والأديب الرائد

 

د. محسن بن حمود الكندي

******

وأنا وحدي وأحزان المساءْ

واصطخاب الموج في لغو النساءْ

واختلاجات الوداعْ

وانسكاب دمعة عذراء من طفل صغيرْ

يحتمي بالألم.. عيناه نداء

وسؤال لحَّ في الأعماقِ.. مبحوح الرجاءْ

يا أبي، كيف اللقاء؟!

ربَّما عَزَّ اللقاءْ..

صور داخل المقال (2).jpeg

ما من كتاب نقدي قرأناه في التجربة الشعرية المعاصرة في البحرين إلّا واسم الشّاعر علي عبدالله خليفة (1944-2026)(1) في طليعته، وما من محفل شعري حضرناه إلّا وهو في صدارته، مثقفٌ طليعيٌّ اعتباري، وأديب رائد، وشاعرٌ مجدّد، ورجلٌ حاضر الذّهن متّقدٌ، لبقٌ، يحظى بكارزمية إنسانية تجعلك تعرفه، وأنت في الحقيقة لم تلتقِ به إلّا نادرًا، ولم تعايشه إلّا قليلًا؛ فقد أوتي بسطة في البشاشة واللباقة والتّرحيب، وأكثر من ذلك البسمة الدّائمة المُرحِّبَة كثيرًا بمقدم كلِّ ضيف يحلُّ بأرض البحرين، البلد الجميل الخصب، المليء بالأدب والأدباء، والشِّعر والشُّعراء.

عرفته في مقتبل العمر عندما كنتُ في الكلية الجامعية هناك أؤمُّ منابرها، وأحضر مناشطها، وأتوق إلى تحقيق تكويني المعرفي من عرصاتها، كان شعلة من النَّشاط، تراه في كلّ محفل ومناسبة، مُقدّمًا ضيوف النَّدوات، وأحيانًا معلّقًا، وتارةً مشاركًا بمداخلات، وملقيًا لأشعاره في منصّات الإلقاء، وما أكثرها في البحرين في ثمانينيات القرن العشرين، فحضوره حضور المثقَّف الذي يحبُّ الثّقافة، ويعشق البحر، ويرنو إلى خدمتهما، والاعتناء بهما، ولعلَّ مؤسّسات وزارة الإعلام البحرينية، ومنابر البثّ الثّقافي، والأندية، والصّحافة، ودُور الكتب، ولا سيّما نادي الخرّيجين، والنادي الأهلي، ودار الغد، وأسرة الأدباء والكتَّاب، والمكتبة العامّة بالمنامة، والمراكز الثّقافية، وبيوت الثّقافة- أهمّ محطّات لقياه، ومرتكز خطاه.

صور داخل المقال (1).jpeg

وعلي خليفة اجتماعيٌّ بطبعه، وله علاقات واسعة في الخليج والوطن العربي، وله معارف كُثُر في السّلطنة، عرفهم منذ الصّغر حينما كانت أزقّة المحرّق ودروبها تمتلئ بهم وبالنّخبة منهم، ومن معارفه العُمانيين: الأستاذ أحمد الجمالي، والشّاعر إبراهيم حمود الصّبحي، وهذان عاشا في البحرين في خمسينيات القرن العشرين، وربما عملا في مدرسة الهداية أيضًا، وهناك عُمانيّون آخرون كُثُر لا تحضرني أسماؤهم، وهو دائم السّؤال عنهم حينما نلقاه ونتبادل معه الأحاديث السّريعة قبيل بدء الفعّاليات الثّقافية.

وفيما يتعلّق بنشاطه، فهو من أنشط كتّاب البحرين المعاصرين، وأكثرهم حضورًا، ومن مظاهر ذلك ما حملت ذاكرتي به؛ ففي التاسع من فبراير عام 1989، وفي قاعة نادي الحالة، شرَّفني ذلك النادي في موسمه الثقافي بإلقاء أول محاضرة في حياتي.. كنت حينها طريَّ الفكر، ضعيف الأداء، لا أقوى كثيرًا على مواجهة الجمهور.. أدهشني الحضور الكثيف، ربّما لأنّه المحاضر عُماني، البلد الذي يحبّه البحرينيّون عادة، ولربّما كانت المحاضرة أيضًا عن أديب سكن في وجدان البحرين، ألا وهو الأديب عبدالله الطّائي. كان علي خليفة المتداخل الأول الذي هدَّأ من روعي، وأشعرني بالاطمئنان، إذ استعرض ما كنت قد نسيته ولم أشر إليه، فهو قد عرَّفه.

وفي العشرية الثانية كان علي عبدالله خليفة ضمن وفد البحرين المشارك في دورات مؤسّسة البابطين ومناشطها، وكانت هذه المؤسّسة تعيش عهدها الذّهبي، ناقلةً رسالة الشّعر بين الأرجاء والأقطار العربية، وكان هو من المدعوّين الدّائمين فيها، رغم أنه لم يكن منضويًا في خطابها الشّعري المُحبَّب إليها، فقد تجرّد من تقليدية الوزن والقافية، ومال إلى الحداثة الشّعرية بشعر التّفعيلة السَّلس الطَّيِّع الجميل الذي يسري في النّفس فينعشها، ويتحدّث عنها كاشفًا عن مكامن معاناتها الإنسانية التي هي في الأصل معاناته.

ولعلّ أهم دورات البابطين التي حضرها وشاهدته فيها دورة أبوظبي 1996، وملتقى ابن لعبون بالكويت في أكتوبر من عام 1997، ودورة بيروت 1998م، ودورة طهران 2001م.

وقد قدّمت له المؤسّسة ترجمة في الصّفحة 766 من المجلّد الثّالث للطّبعة الثّانية لمعجمها المُسَمّى معجم البابطين للشّعراء العرب المعاصرين، وفي المجلد الخامس من مختاراتها الشّعرية الخاصّة بشعراء الخليج والجزيرة العربية، الصّادرة عام 1996م.

أمَّا عن مشاركاته الأدبية والثّقافية في عُمان، فهو لم ينقطع عنها، وأولاها جلّ اهتمامه، وكانت له صلات كثيرة بشعرائها، لعلّ أقدمهم الأستاذ عبدالله الطائي (1924-1973)، وقد استضافته عُمان شاعرًا في أكثر من أمسية شعرية أقامها النّادي الثّقافي وجامعتها في تسعينيات القرن العشرين وأوائل الألفية الثالثة، ومن بينها أمسية كبيرة أُقيمت لكوكبة من شعراء الخليج العربي في قاعة المؤتمرات الكبرى بجامعة السّلطان قابوس في ربيع عام 1996م.

وأمّا حضوره الرّسمي في عُمان، فغير قليل، وقد شارك إبّان تولّيه منصب المدير العام لمركز التراث الشعبي بدول مجلس التعاون بقطر، ومدير الثّقافة في وزارة الإعلام البحرينية، وفي اجتماعات الرّوابط الأدبية، وجمعيّات المسرح، وممّا أتذكّره أنه قدِمَ ذات مرة بمعيّة الدّكتور إبراهيم غلوم، وفور انتهائهم من أعمالهم الرّسمية عادوا برًّا في رحلة استكشافية عبرت حدود السّلطنة حتى وصلوا إلى مملكة البحرين مرورًا بدول: الإمارات العربية المتحدة، وقطر، والمملكة العربية السّعودية، وقد وصف لي الدّكتور غلوم تلك الرّحلة بأنّها شاقّة متعبة، لم تخلُ من المغامرات والتّجاذبات.

وعندما احتفت أسرة الأدباء والكتاب بالأستاذ أحمد الفلاحي في أبريل من عام 2026م، كان أوّل المبادرين في الحضور، وبصفته الاعتبارية وعضويّته التّاريخية، أُسندت إليه مهمة تقديمه، رغم أنه لم يعاصر الفلاحي عندما كان ملحقًا ثقافيًا في البحرين (1982-1987)، إلّا أنّه قدّمه كاسم يعرفه، لقيه في مناسبات نادي الخريجين، وربّما قرأ له وسمع عنه من لدن أصدقائه.

كل هذا وذاك أكسباه معرفة بالوسط الثقافي والعلمي في السّلطنة، وكان لوفاته أثر بالغ في نفوس من عرفه؛ لدماثة خلقه، وطلاقة محيّاه، وقد أخبرني الشّيخ سيف بن هاشل المسكري، رئيس مجلس النّادي الثّقافي، بأنّه كان وطيد الصّلة به، وأنّه دعاه إلى السّلطنة في فترة رئاسته لمجلس النّادي الثقافي، وكان ضيف شرف في أكثر من مناسبة ثقافية فيه، والحال نفسها تتجلّى في معرفة شعراء عُمان به اسمًا شعريًا رائدًا في الخليج، شأن: الأستاذ أحمد الفلاحي، وخالد الغسّاني، وهلال العامري، وعبدالله صخر العامري، وعلي بن هلال المعمري، وسماء عيسى، وسيف الرّحبي، ومبارك العامري، ومحمد اليحيائي، وسعيد الصّقلاوي، وسيف الرّمضاني، وصالح العامري، ويحيى اللزامي، والدّكتور محمد الذّهب، وحسن المطروشي، ومحمد سيف الرّحبي، وغيرهم.

عرفته -أوَّل ما عرفته اسمًا- في كتب الأديب العُماني عبدالله الطّائي، ومناهج التّعليم، وبرامج الإذاعة، حيث كان يقدّم برنامجيه الشّهيرين «همسات الليل»، المختص بالأدب الفصيح، و«ظما الأوتار»، المخصّص للأدب الشّعبي، ومقالات الصّحف، وأغاني المطربين. وفي معارض التّراث الخليجي، يدير مجموعاته البحثية، ويهتمّ بما هو تراثي يخصّ دول الخليج قاطبة، حتى صار علمًا في حقله(2). ومن أكثر ما يعجبني فيه سؤاله الدّائم عن التّراث العُماني وثقافة السَّلطنة الفولكلورية، ورموز الشّعر الشّعبي، وكم من مرَّة سألني عن أغاني عُمان الشّعبية ومواويلها، وأحجياتها وألغازها، وحكاياتها الملتبسة بالسّحر والسَّاحرين. كان الرَّديف الموضوعي لأستاذنا الدّكتور إبراهيم غلوم في الاهتمام بهذه الحقول والأنماط، وأتذكّر أنّني استعنت به في بحث قمت به لمقرر الأدب الشَّعبي، حين كلّفنا الدّكتور إبراهيم غلوم بجمع بعض من أنماط ذلك التّراث الشّعبي، فكان لقائي به في مبنى أسرة الأدباء والكُتّاب القديم، وقد أفادني، ووجّهني، وفتح لي باب البحث في تلك الأنماط، وفعلاً أجريت بحثًا ما زال في خزانتي عن الألغاز الشّعبية العُمانية، جمعتها من أفواه بعض كبار السّن العُمانيّين المقيمين في البحرين آنذاك.

أمَّا شعره، فعرفته أيضًا من خلال قراءات مستفيضة في أدب البحرين وشعرها، وحضوري لمنابرها الثّقافية، وعبر تدريسي لمادّة أدب الخليج في قسم اللغة العربية في جامعة السّلطان قابوس لأكثر من ثلاثين عامًا، درّست فيها نماذج منه، فكان طلّابي يعبّرون عن إعجابهم وتقبّلهم له، ومن خلال اشتغالي بمؤسّسة البابطين للشّعر العربي، وقراءتي لأدبيّاتها المنشورة، وأكثر ما يشدُّني فيه -مثلما يشدّ القرّاء، طلابًا وباحثين- خصوصيّته، واحتواؤه على ثيمات الأمكنة والأزمنة والقِيَم والعادات والمهن والحرف وحراك الإنسان فيها، ومكوّنات الطّبيعة، وعذابات الإنسان، وآلام المتعبين والفقراء والبائسين من البحَّارة والمشتغلين بمهنة الغوص، فمن المعجب فيه سلاسته، وسلامته، وعمق مراميه، وانسيابه إلى النّفوس بلا تكلّف، يسيل في العروق سيلان الدّم، فلا أثر له سوى عواطف القبول بترنُّم يلامس شغاف القلوب، ولعلّ هذا الشُّعور هو ما أفصح عنه جيل السّبعينيات والثّمانينيات من النقّاد والأدباء ومؤرّخي الأدب والثقافة، وتناوله كبار النُّقّاد البحرينيّين والعرب.

لقد قرأت شعر علي عبدالله خليفة مبكّرًا بشغف، واستمعت إليه، في الأقاصي العُمانية، وكنتُ شغوفًا معجبًا بقصائده، بمثل ما كنتُ شغوفًا بشعر غيره من الشُّعراء المحيطين بألم الإنسان وعذاباته، ويعود سبب شغفي به هو إحساسي الخاصّ به؛ إذ إنّ هناك ثمّة قواسم مشتركة تجمعني بما يقوله، فتوظيفه لعذابات البحَّارة يحيلني دائمًا إلى تذكُّر عمّي الذي التهمه البحر ذات يوم فلم يَعُد، وكانت تلك كارثة كبيرة بالنسبة لي ولأسرتي، ولطالما دمعت أعيننا على فراقه في أواخر ستّينيات القرن العشرين، حين قُدِّر له ركوب البحر والعمل مع أحد النّواخذة الصُّوريّين من شرقية عُمان، وهو بحَّار صغير ضعيف الحال، مُعْوَزٌ، وله أسرة مكوَّنة من أمّ، وزوجة، وبنتين، وأخوين، وأختين، يبعدون عنه مئات الكيلومترات، إذ تركهم جميعًا يتامى بعده يئنون عليه، ويتحسّرون لفقده، فقد انطوى ذكره إلى الأبد، ولم يُعثر عليه حتّى اليوم، فمصير انتظار عمّي البحَّار جسّدته قصائد علي خليفة، وعبّرت عنه حين أسمعها، وكأنّي بقوله يخاطب ذاتي في قصيدته "آثار أقدام على الماء":

وانتظرناكَ طويلًا

أنا والليلُ وجدرانُ المدينة

والشّبابيكُ وكلُّ الطّرقاتْ

واستحالَ الصَّمتُ في الأشياءِ

من حولي عيونْ

ينبضُ الشّوقُ على أجفانها نبض ارتقابْ

وانتظرناكَ مع النَّجم تجيء

من خلال السُّحب الدّكناء يجلوها الشّمالْ،

واشتممنا..

زخّة العطر من الفجر المُحنّى

علّكَ الآتي مع الشّمس تضيء.

شعر علي عبدالله خليفة شفّاف لصيق بالرُّوح، وهو لسان حال المعذَّبين، والمتعبين، كثيرًا ما كان يصوَّر به أنَّات المكلومين والحائرين؛ لذلك أحسَّ به كلُّ السّامعين والباحثين العرب، وكان لقمة سائغة هنيئة لهم ولعقولهم النَّدية في زمن التَّشكُّل والعنفوان، أعني به حقبة أواخر السّتّينيات والسّبعينيات ومطلع الثّمانينيات من القرن العشرين، ومن أوائل من تناوله في محيطنا العُماني الأستاذ عبدالله الطّائي، وكان علي عبدالله خليفة وقتها في طالع شبابه الأوّل، ووصفه بأنّه: "شابٌّ مطّلع منذ مراحل دراسته الأولى، ويراه أنموذجًا لشباب جيله في ثقافته واطّلاعه، خاصّة أنّه عصاميُّ التّكوين، يقرأ الكتبَ بنهمٍ مستغلًّا عمله في المكتبة الوطنية، فكما يقول: يقرأ الكتاب تلو الكتاب، حتّى صار الكتاب رفيقه، ونشاطه، فأسَّس (دار الغد) للطّباعة والنّشر التي طبعت عشرات الدّواوين والكتب، وكان لها صدى كبير، ومكانة لدى كتّاب البحرين والخليج.

والطّائي -في ذلك التّناول الذي خَصَّه به في كتابه "الأدب المعاصر في الخليج العربي"- أكّد القيمة التي حظيت بها مجموعة علي عبدالله خليفة الشّعرية الأولى الصّادرة في بيروت عام 1969م "أنين الصَّواري"، التي لقيت إقبالًا كبيرًا، فاستحسنها كثيرٌ من النّاس في الخليج(3)، وغنّى بعض قصائدها ومواويلها المطربون المحليّون، مثل: خالد الشيخ، وأحمد الجميري، وعبدالله الرّويشد(4)، فأطربت الشّعوب الخليجية، ولم تغادر كلماتها ألسنتهم، ولم تبارح أفئدتهم، وقد فاز ببعض قصائدها في مسابقة مجلة "هنا البحرين" التّابعة لوزارة الإعلام عام 1968(5).

والأستاذ علي عبدالله خليفة شاعر فصيح وشعبي في ذات الآن، وهو في الأوّل مجدِّدٌ حداثويُّ الكتابة، خرج بشعره من المدرسة التّقليدية إلى رحاب الأفق المنفتح والصّورة الكلّية، منطلقًا من تخوم عذابات الإنسان وآلامه، فكان أغلبه تصويرًا لواقعه بقدرات مؤثّرة؛ لأنّه استخدم -بتلقائية ودون تكلّف- اللغة القريبة من القارئ، ووظّف خصوصيّته ومفرداته للعزف على العواطف الجيّاشة، سيرًا على أطروحات الشّعر الجديد، يقول الأستاذ الطّائي نفسه: "أمّا حداثة القصيدة عنده فهي تمثّل التّجديد المقبول في الشّعر العربي الحديث"، كما قال عن عنوانها بأنّ "اختيار الاسم دليلُ الثّقافة، بل دليلُ المعاناة، وأنين الصواري معناه شكاوى البحَّارة الكادحين(6)".

وتستند رؤية الطّائي هذه إلى معرفة مبكّرة به، فقد قال لي علي عبدالله خليفة ذات مرَّة: "إنّ الطّائي درَّسه في مدرسة الهداية بالمحرّق، وعهده في خمسينيات القرن العشرين معلّمًا فيها، وفي المدرسة الغربية بالمنامة"، وكان علي عبدالله خليفة -كما يبدو- قد درس فيها، كونه من أبناء المحرَّق، وتأثّر بمدرّسيها، شأن الأستاذ عبدالرحيم روزبه، الذي كان زميلًا للطّائي وصديقًا، وقد كتب عنه ورثاه في أحد مقالاته المنشورة في مجلة "هنا البحرين".

تلت دراسة الطّائي دراسات توثيقية كتبها بعض دارسي أدب البحرين والخليج العربي، من أمثال الدّكتور محمد جابر الأنصاري؛ حيث أشار إلى اسمه من بين أسماء شباب الحركة الشّعرية الجديدة الواعدة، وقال عنها إنّها حركة أدبية شابّة نشطة تنفتح على التّراث العربي والعالمي، وعلى قضايا الإنسان وهمومه وآماله(7).

وعلى المستوى الخليجي، اعتنى مؤرّخو المنطقة ومثقّفوها بشعر علي خليفة، ونظنُّ أنّ من أقدم الدّارسين العرب الذين كتبوا عنه الأستاذ حسن علي طالب، في كتابه "أدباء من البحرين"، الصَّادر عن المطبعة الشّرقية ببيروت عام 1967م.

ومن أندر ما وجدناه إشارات مبكّرة أوردها الأستاذ عبدالله المبارك في كتابه "الشعر المعاصر في الجزيرة العربية"، ويضافُ إلى ذلك كتاب "التَّعريف بالحركة الأدبية الجديدة في البحرين" الذي أعدَّه الأستاذ أحمد المنّاعي عام 1973م، وكذلك الدّراسة التي قدَّمها الدّكتور جليل منصور العريّض، وصدرت عن معهد البحوث والدّراسات عام 1974م تقريبًا، فهذه كلّها كتبٌ ومراجع تكوّن مدوّنة مرجعية مبكّرة تساعد الباحثين الطّامحين إلى الكتابة عنه.

أمّا في مرحلة الثّمانينيات، فمن بين الذين كتبوا عنه الأستاذ عبدالله الشّبّاط، مؤكّدًا ريادته في الكتابة الشّعرية الجديدة، قائلًا: "يُجْمِعُ النُّقّاد في منطقة الخليج العربي على أنّه هو رائد الشّعر الحديث في البحرين.. وأنّ تجربته تنطلق من التّراث، والتّراث في الخليج هو البحر، والغوص، والنّخلة، كما تنصبُّ في القضايا المحلّية التي تكون -في أكثر حالاتها- التصاقًا بقضايا النّاس والمجتمع من حوله، وما يمرُّ بهم من بؤس، وشظف في العيش، واستغلال طبقي مقيت.. وقد ركب موجة الحداثة إلّا أنّ القارئ والسّامع يجد ذلك الجرس الموسيقي المتوازن الذي لا يأخذ منحنيات مبهمة.."(8).

وكذلك مبحثٌ لمحمد علي السَّمري، تناول فيه حياة الراحل في ترجمة معلوماتية، بيّن فيها تاريخ مولده، ومكان (فريق القمرة)، ووظائفه، وأسماء دواوينه الثّلاثة: أنين الصّواري (1969)، وعطش النّخيل (1970)، وإضاءة لذاكرة الوطن (1973)، وعصافير المسا (1983)، وفي وداع السّيدة الخضراء (1992)(9)، كما تناول منجزاته الثقافية الماثلة في تأسيسه لدار الغد للنشر والتوزيع سنة 1974، وإصداره وترؤسه تحرير مجلة (كتابات) الفصلية، بين عامي 1976-1985، ومجلة المأثورات الشّعبية بين 1985-1987، وهي إحدى إصدارات مركز التّراث الشّعبي لدول الخليج العربي الذي أسسه في دولة قطر، وأشرف عليه بين عامي 1982-1987.

ويندرجُ في المسار نفسه من الكتابات الثّمانينية ما كتبته الدّكتورة نورية الرّومي، وقد تناولته بالعرض والتّحليل والمقاربة في فصل دراستها الثّالث الخاصّ بالاتّجاه الواقعي بين الفنّ والالتزام، وأشارت إلى أنّه "من أبرز وأهمّ شعراء البحرين المعاصرين"، وأنّه "نجح في أن يقيم قدرًا من التّوازن بين الفنّ والالتزام في بعض قصائد ديوانيه (أنين الصّواري) و(إضاءة لذاكرة الوطن)، فعلى الرُّغم من أنّه حرص أن يجعل مأساته مأساةً سياسية، فقد حرص كذلك أن يجعل منها مأساةً إنسانية، فتصبح قصائده أغنيةً لكلّ المظلومين والمقهورين في شتّى بقاع العالم..."(10)، يقول في إحدى قصائده:

أنا الإنسانُ يا أمّي

أنا الإنسانُ في شتّى بقاع الأرض

في الإصرارِ ... وفي الزّحفِ

في التّنكيلِ والعُنْفِ

أنا جمعٌ من الفقراءِ، والبؤساءِ، والمرضى

وتاريخٌ من التشتيت، والكبتِ

ومن أكثر من تناوله في مرحلة الثّمانينيات المتوسّطة، وأوسعه نقدًا وتحليلًا ومقاربةً لتجربته الشعرية، أستاذنا الدّكتور علوي الهاشمي في كتبه الثّلاثة: "ما قالته النَّخلة للبحر"، و"السُّكون المتحرّك"، و"شعراء البحرين المعاصرون"، وفيها نجد فيضًا باذخًا من التّأويلات بمناهج متقدّمة عضّدتها قراءة تاريخية توثيقية لإنتاجه. ففي كتابه الأوّل نجده يفرد له مبحثًا خاصًّا بعنوان "المرأة بين الحبّ والثّورة"، وفيه يقول: "من خلال تجربة الغوص الواقعية التي ميَّزت تجربة علي خليفة، ودمغتْ ديوانه الأوّل (أنين الصّواري)، استطاعت المرأة أن تخرج من دائرة ذات الشّاعر لتطلّ على ساحة التّجربة الاجتماعية، وذلك لأنّ المرأة طرف في تجربة الغوص القاسية، فهي تعاني من مشاعر الخوف والشّوق، والحنين إلى زوجها الغائب في عرض البحر، عرضةً للمخاطر والموت.. فعندما تعود مراكب الغواصين تجدها متهللة بالفرح.."(11).

وفي كتابه الثاني، يقدّم له قراءة مكثفة عميقة، يقرأ فيها مستويات ثلاثة، هي: بنية المضمون ممثَّلةً في الأغراض والاتّجاهات التي تحكم تجربته موضوعيًا، وبنية الإيقاع ممثَّلةً في عروض قصائده وقوافيه، وبنية اللغة ممثَّلةً في الأساليب والتراكيب والعبارات التي قامت عليها قصائده.

وفي الكتاب الثّالث يُعنى بترجمته ترجمةً ضافيةً تتكوّن من ستّ صفحات، وفيها تناولٌ لتاريخ ولادته، ومكانها، ودراسته، ومكوّنات ثقافته، ومحاولاته الشّعرية الأولى المنبثقة من الكتابة في مجلّات الحائط المدرسية بالمحرّق، كما يقول، ومن ثم في مجلة "هنا البحرين"، ثمّ في الصّحافة الأهلية الرّسمية.. ووصف مجموعاته الشّعرية، مشيرًا إلى أنّها أوّل مجموعة شعرية تصدر في إطار مرحلة الشّعر الواقعي الجديد التي انبثقت عن أحداث حركة 1965 الشّعبية العارمة، لتحدّد هذا النّوع من الشّعر وملامحه المتميّزة على كلّ من سبقه على المستويين الشّكلي والموضوعي(12)، "وبذلك تكون تجربته الشّعرية أولى علامات الانتقال الحقيقي من مراحل الشّعر التّقليدي والرّومانسي على السَّواء إلى مرحلة الشّعر الواقعي الجديد.."(13).

ومن جانب آخر، يكشف الدّكتور الهاشمي في هذا الكتاب عن مدوّنة علي خليفة الفوتوغرافية، وصوره في مراحل عمره، وصور أخرى تبيّن نشاطه، ومشاركاته في أسرة الأدباء والكتّاب التي شارك في تأسيسها مع زملائه عام 1969م.

وفي هذا الكتاب اختيارٌ موفّق لما يمثّل تجربته، ويثبت شاعريته، وذلك عبر قصيدة عنوانها "آثار أقدام على الماء"، استلّها من مجموعته "إضاءة لذاكرة الوطن".

ومن بين أبرز ما كُتب عنه مبحثان وردا في كتابين منفصلين للدّكتور إبراهيم غلوم، وهما "المسافة وإنتاج الوعي النقدي"، ص320 وما بعدها؛ حيث تناول السّجال، أو المعركة النّقدية -كما يسمّيها- حول كتابات علي عبدالله خليفة، التي أثارها أحمد المنّاعي، وناقش فيها أدوار علي خليفة وارتداداتها في الحركة الأدبية المعاصرة في البحرين.

ومع ذلك، يؤكّد غلوم مكانته بين رفاقه حملة الكلمة، فهو -في رأيه- رائدٌ من روَّاد القصيدة الحديثة في البحرين، وواسطة عقد الشّعراء المعاصرين الذين اختطّوا لأنفسهم خطًّا تجديديًا مستنيرًا، تحوّلت بفعله القصيدة العربية في البحرين من القصيدة الموزونة المقفّاة إلى قصيدة التّفعيلة والنّثر، وهو في ذلك لا يختلف عن زملائه روّاد القصيدة الجديدة في البحرين، أمثال قاسم حداد، وعلوي الهاشمي، وعلي الشّرقاوي.

وقد أفاض بذلك علي خليفة في شهادته عن الدّكتور إبراهيم غلوم في صدارة الكتاب التّأبيني الصّادر عن أسرة الأدباء والكتّاب بعنوان "تلك الرّوح الشّفافة الرّضية"، وقد بيَّن صلته به وعلاقته الحميمة بإنتاجه الفكري النّقدي، باعتبارهما ملجأً شخصيًّا له، كما يقول.

أمَّا دارسو الأدب ونقّاده في فترة التّسعينيات وما بعدها -وحتّى اليوم- فما أكثرهم، وتكاد لا توجد دراسة صدرت خلال هذه الفترة إلّا وتناولته، أو أشارت إليه، ناهيك عن العدد الهائل من المقالات الصّحافية، والأخبار، والبرامج، واللقاءات التي بثّتها وسائل الإعلام الخليجي، وخاصّة بعد نشوء مجلس التّعاون لدول الخليج العربية، وتأسيس الفضائيّات التّلفزيونية، والمقاطع الصّوتية، وكلها تحتفي به، ولا تتجاوز اسمه إذا ذُكر أدب الخليج العربي المعاصر عامّة، أو أدب البحرين خاصّة، والدّعوة اليوم نوجّهها للاهتمام بجمع كلّ ما كُتب عنه، وإعداد مدوّنة وثائقية مكتملة تساعد المهتمين بتاريخ الثّقافة، أو حتّى المعنيّين بوضع فيلم عنه باعتباره علمًا ثقافيًا، واسمًا شعريًّا معتبرًا يوازي نظراءه الرّواد في البحرين، ولعلّ مكتبات أصدقائه ورفقاء حياته، شأن الدّكتور علوي الهاشمي، والأستاذ أحمد المنّاعي، وعبدالقادر عقيل، خيرُ معين على تلك المدوّنة، والحفاظ على موقعه الإلكتروني الذي نشر فيه الأعداد الكاملة لمجلة "كتابات".

وأخيرًا.. ترجَّل بالأمس القريب علي عبدالله خليفة، وترك في البحرين والخليج غصَّة فراقه، فهو الحاضر الدّائم في المنابر الإعلامية والثّقافية، وأصيل مرحلة متوهّجة بالعطاء، وليس الحاضر الدّائم كالغائب أبدًا؛ فقد سطع اسمه في عقد السّتّينيات والسّبعينيات، وكان أوج قوّته مستمدًّا من كونه أديبًا شاعرًا حاضرًا يملك زمام الكلم، ومثقّفًا طليعيًّا مستنيرًا يغطّي أثير الإذاعات والبرامج الثّقافية والإعلامية، عندما كان لهذه البرامج ألف معنى، وألف ألف متابع.

كان آخر عهدي به قبل سنتين، حين قادتني قدماي إلى مركز عبدالرحمن كانو الثقافي -الذي أسسه وتولّى رئاسة مجلسه- لأستمع إلى محاضرة أستاذي الدّكتور علوي الهاشمي، عنوانها حسبما أظنّ "شعراء الظّلّ في المملكة العربية السّعودية"، وكان هو مقدّمها، وقد حضرتُها مستذكرًا شخصيّتيهما وألقهما وعلاقتي بهما، فعلى الرغم من السّنين التي مضت، لم تغيّرهما أحداثها، وعلى ذلك وغيره ظلّ علي عبدالله خليفة أيقونة الحضور والتَّجلّي الشّعري والثّقافي في البحرين، فقد داوم على حمل رسالتها إلى العالم، فزار أصقاعًا بعيدة، وطاف بها منابر ومراكز عديدة، وارتست أقدامه في كيانات ثقافية كثيرة، قديمة وحديثة، ولعلّ أوّل دلائلها ما رأيناه في مقاطع مرئية بُثّت لتحكي تاريخه، وهذا دليل على مكانته المبكّرة في وطنه، خاصّة أنّه من جيل التّأسيس للخطاب الجديد في البحرين، لا يبتعد قيد أنملة عن روّاده الأوائل الذين كسروا قيد القوافي، وأطلقوا مواهبهم للبوح المفتوح، والرّسم بالكلمات.

في وفاته، يوم الاثنين الموافق 22 يونيو 2026م، شدّتني صورة أثيرية وزّعتها وسائل التّواصل الاجتماعي، هي تلك الصورة التي يصطف فيها مع المشاركين في الدّورة الرّابعة لمؤتمر الكتّاب الآسيويّين والإفريقيّين، المنعقد في نيودلهي بالهند عام 1970م، وقد حضرها عمالقة الأدب والشّعر العربي، صورة يشارك فيها الأستاذ علي عبدالله خليفة كلًّا من شاعر البحرين إبراهيم العريّض، ومحمود درويش، وأحمد المنّاعي، والرّوائي سهيل إدريس، وهي صورة تعكس مكانته، وتلخّص أدواره، وقيمته التّاريخية... رحم الله علي عبدالله خليفة.

ألف سلام على روحك الباسمة.. ألف سلام على مواويل بحَّارتك وأنين صواريك.



 

**********

مراجع:

1- على عبدالله خليفة كما تشير مجمل التّراجم والمقاطع التي وثّقت حياته: شاعر بحريني معاصر، وُلد في فريق (القمره) بالمحرَّق، من أسرة فقيرة، تعلّم على يد المعلّمة لطيفة بنت عبدالله بن سليم، وختم القرآن في مدرستها، وأكمل دراسته الابتدائية في الهداية الخليفية، وكان متفوّقا دراسيًا إلّا أنه لم يكمل دراسته الجامعية لظروفه، بل حصل على درجة الدّكتوراه الفخرية لأعماله وإنتاجه الشّعري والثّقافي واهتمامه بتوثيق مأثورات الخليج. توظّف في الجمارك البحرينية في يوليو 1965، ولمدّة خمس عشرة سنة، انتقل بعدها إلى مؤسّسات حكومية في بلده البحرين، ودولة قطر، أهمّها مدير مركز التّراث الشّعبي بدول مجلس التّعاون ومدير الثّقافة في وزارة الإعلام البحرينية.

2- عمل في مركز التراث الشعبي بدولة قطر قرابة ستّ سنوات (1981- 1987) وترقّى في إدارته وتأسيسه حتّى صار مديرًا عامًّا له، وعن تفاصيل عمله في هذا المركز أحيل إلى اللقاء الذي أجري معه قبيل وفاته ضمن مشروع "من ذاكرة الأحياء" المتاح على منصة يوتيوب.

3- من مظاهر هذا الاستحسان، طبعها لخمس مرات متتالية ونفاد طبعاتها كاملة على نحو ما جاء في لقاء معه ضمن "من ذاكرة الأحياء" المشار إليه سابقاً.

4- من مقطع مما قاله في اللقاء المشار إليه.

5- علوي الهاشمي، شعراء البحرين المعاصرون، ص 371.

6- عبدالله الطائي، الأدب المعاصر في الخليج العربي، ص 228.

7- محمد جابر الأنصاري، لمحات من الخليج العربي، ص 173.

8- عبدالله الشّبّاط، أدباء من الخليج العربي، الدار الوطنية للإبداع، الرياض، المملكة العربية السّعودية، عام 1986م، ص 227.

9- محمد علي السمري، شعراء الخليج: حياتهم، وأشعارهم، وآثارهم، الدار الأهلية، الرياض، المملكة العربية السعودية، 2006، ص 348. نضيف إلى ذلك ما مجموعه أكثر من اثني عشر ديوانًا صدرت كلّها بعد صدور هذا الكتاب، وتمثّل حصيلته الشّعرية في مجالي الشّعر الشّعبي والفصيح.

10- نورية الرومي، الحركة الشعرية في الخليج العربي بين التّقليد والتّطوُّر، 1981م، ص 481.

11- علوي الهاشمي، ما قالته النخلة للبحر، ص 177.

12- علوي الهاشمي، شعراء البحرين المعاصرون، ص 119.

13- المرجع السابق، ص 121.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z