من شرفة عامي السبعين

سيمفونية الصمت والحكمة (8)

 

د. مجدي العفيفي

 

رحلة في 50 عامًا من الصحافة والفكر والكلمة

الحركة الثامنة.. أسئلة الحياة: مراجعات العمر

(41)

هنا يبدأ الانكسار النبيل.

الأسئلة التي لا تبحث عن إجابة بقدر ما تبحث عن طمأنينة.

وهنا يقترب المعنى لأول مرة من تلك الكلمة الأولى: سلام… لكن لم يُنطق بها بعد.

الأشياء التي كنت سأفعلها بشكل مختلف

عندما يبلغ الإنسان السبعين يكتشف فجأة أنه يقف أمام مرآة لا تكذب..

مرآة لا تعكس الملامح فقط؛ بل تعكس الزمن نفسه.

هناك، في ذلك الصمت العميق، تبدأ الأسئلة التي كنا نهرب منها طويلًا.

ليس أسئلة السياسة.. ولا أسئلة التاريخ.. بل أسئلة الحياة نفسها.

ماذا فعلنا بكل تلك السنوات؟

كيف عبرنا الطريق الطويل الذي نسميه العمر؟

وأين أخطأنا.. وأين أصبنا؟

(42)

في الشباب نعيش الحياة كما لو أنها سباق طويل.

نريد أن نصل.. أن ننجح... أن نثبت وجودنا في العالم.

نركض كثيرًا.

وأحيانًا لا نلاحظ أن الطريق نفسه كان يستحق أن نتأمله أكثر.

اليوم، ومن شرفة العام السبعين، أفهم أن بعض الأشياء كنت سأفعلها بشكل مختلف.

ليس ندمًا.. فالندم كلمة قاسية لا أحبها.. لكنها مراجعة هادئة لرحلة طويلة.

كنت ربما سأمنح الوقت مساحة أوسع للتأمل..

في سنوات الصحافة الصاخبة، كان الزمن يجري بسرعة العناوين.

الأحداث تتلاحق، والأخبار تتزاحم، والسبق الصحفي يصبح أحيانًا أهم من الصمت الذي يولد منه الفهم.

لكنني تعلمت لاحقًا أن الحكمة لا تولد في الضجيج.

إنها تولد في المسافة، في تلك اللحظة التي يتراجع فيها الإنسان خطوة لينظر إلى الصورة كاملة.

كنت ربما سأقول لبعض الناس كلمات لم أقلها.

كلمات تقدير.. أو امتنان.. أو حتى اعتذار.

فالحياة -كما اكتشفت- أقصر بكثير مما نظن.

والكلمات الطيبة التي لا نقولها في وقتها قد تضيع إلى الأبد.

كنت أيضًا سأقلق أقل.

فالإنسان في سنواته الأولى يظن أن عليه أن يحمل العالم كله على كتفيه.

لكن الزمن يعلمنا درسًا بسيطًا: أن العالم أكبر من قدرتنا على التحكم فيه.

وأن كثيرًا من الأشياء كانت ستحدث كما حدثت حتى لو لم نقلق بشأنها.

لكن رغم كل تلك المراجعات هناك حقيقة أبتسم لها الآن.

لو عاد الزمن ربما كنت سأرتكب الأخطاء نفسها مرة أخرى.

ليس لأنني أحب الخطأ، بل لأن الأخطاء نفسها كانت جزءًا من المعلم الأكبر الذي اسمه الحياة.. فالإنسان لا يتعلم الحكمة من الكتب وحدها.

يتعلمها من العثرات والخيبات والطرق التي اكتشف لاحقًا أنها لم تكن الطريق الصحيح.

وهكذا.. فإن مراجعات العمر ليست محكمة نحاكم فيها الماضي.

(43)

إنها جلسة مصالحة مع الزمن.

ننظر فيها إلى ما كان بهدوء وبامتنان. لأن كل ما حدث -الجميل والمؤلم معًا- هو الذي صنع الإنسان الذي نقف به اليوم أمام المرآة.

ومن شرفة العام السبعين أدرك أن الرحلة كلها لم تكن بحثًا عن النجاح فقط.

كانت بحثًا عن شيء أعمق بكثير.

كانت بحثًا عن المعنى.

ذلك المعنى الذي لا يظهر في ضجيج الشباب، بل يتسلل إلينا ببطء حين تهدأ العواصف، ويصبح الصمت صديقًا.

وهكذا تستمر سيمفونية الصمت والحكمة.

كل حركة فيها تكشف طبقة جديدة من العمر.

لكن الحركة القادمة ستكون مختلفة قليلًا.

لأنها ستطرح السؤال الأكبر في الرحلة كلها: «ماذا تعلّمت من سبعين عامًا من الحياة؟»

وهناك سنكتب خلاصة الحكمة التي تقطر من رحيق التجربة.. وتحمل رحيق وحريق العمر معًا.

 (44)

نصل الآن إلى قلب السيمفونية. هنا لا نحكي فقط، بل نقطّر التجربة.

سبعون عامًا تتحول إلى بضع ومضات من الحكمة، كما يتحول نهر طويل في النهاية إلى قطرة صافية.

سيمفونية الصمت والحكمة الحركة السادسة

ماذا تعلّمت من سبعين عامًا من الحياة؟

حين يبلغ الإنسان السبعين لا تعود الأسئلة كما كانت.

في الشباب نسأل: كيف ننجح؟ كيف نصل؟ كيف نصنع مكانًا لنا في العالم؟

 

لكن بعد سبعين عامًا يتغير السؤال كله، يصبح السؤال ببساطة: ماذا فهمت من هذه الرحلة الطويلة؟

أول ما تعلمته أن الحياة لا تسير أبدًا كما نخطط لها.

نحن نرسم الطرق في عقولنا، لكن القدر يرسمها بطريقة أخرى.

ومع ذلك فإن أجمل الاكتشافات في العمر تحدث غالبًا في الطرق التي لم نكن نقصدها.

لو لم أسمع نداهة الصحافة يومًا، ربما أصبحت أستاذًا جامعيًا هادئًا في قاعة من قاعات المعرفة.

لكن تلك النداهة فتحت لي أبوابًا من التجارب لم أكن لأتخيلها.

وهكذا فهمت درسًا بسيطًا؛ أحيانًا أفضل ما يحدث في حياتنا هو ما لم نخطط له أصلًا.

 (45)

الدرس الثاني؛ أن التاريخ ليس شيئًا بعيدًا عنا.

كنا نظن ونحن صغار أن التاريخ يعيش في الكتب.. لكنني رأيت بعيني كيف يُصنع التاريخ أمامنا.

رأيت ثورة.. وحروبًا..  وهزيمة.. ونصرًا..

ورأيت كيف تتغير الأمم كما تتغير الفصول.

وتعلمت أن الشعوب مثل الأفراد، تمر بلحظات قوة ولحظات ضعف.

لكن الذي يحدد مصيرها في النهاية هو قدرتها على النهوض مرة أخرى.

  (46)

الدرس الثالث؛ أن السلطة -أي سلطة- ليست الحقيقة الكاملة.

في الصحافة تقترب من دوائر القرار، وترى كيف تُصنع السياسات.

لكن مع الزمن تكتشف أن الحقيقة دائمًا أوسع من أي سلطة.

وأن الكلمة الصادقة قد تكون أحيانًا أقوى من موقعٍ رسمي.

ولهذا ظللت مؤمنًا طوال حياتي أن الصحافة الحقيقية ليست مجرد مهنة.. إنها مسؤولية أخلاقية.

 (47)

الدرس الرابع؛ أن الإنسان في النهاية ليس ما يملكه..  بل ما يتركه.

المناصب تزول.. والألقاب تتغير..

والضجيج الذي يملأ الحياة المهنية يهدأ بمرور الوقت..

لكن الذي يبقى هو الأثر الصغير الذي يتركه الإنسان في عقول الآخرين أو في قلوبهم.

كتاب.. فكرة.. كلمة صادقة..

هذه الأشياء الصغيرة هي التي تعيش أطول من أصحابها.

(48)

أما الدرس الأخير؛ فهو الدرس الذي لم أفهمه إلا متأخرًا.

تعلمت أن الإنسان يقضي معظم عمره وهو يبحث عن شيء بعيد.. ثم يكتشف في النهاية أن ما كان يبحث عنه كان قريبًا جدًا.

ليس السلام السياسي.. ولا السلام الخارجي.. بل السلام الداخلي.. ذلك السلام الذي يجعل الإنسان يتصالح مع نفسه.. ومع الزمن.. ومع ما كان.. وما لم يكن.

ومن شرفة العام السبعين أدرك أن الرحلة الطويلة بكل ما فيها من صخب كانت تقودني ببطء إلى تلك النقطة الهادئة.

نقطة الصمت. هناك حيث لا يعود الإنسان في حاجة لإثبات شيء لأحد.. ولا في حاجة للدفاع عن شيء.

هناك فقط يجلس مع نفسه ويبتسم. ربما لهذا السبب اختار القرآن كلمة واحدة لتكون تحية أهل الجنة:

"سلامٌ قولًا من ربٍ رحيم"

كأن الرحلة الطويلة للحياة تنتهي أخيرًا في كلمة واحدة: سلام.

وهكذا تقترب سيمفونية الصمت والحكمة من حركتها الأعمق.

ونواصل السردية السبعينية، إن كان في العمر بقية..

الأكثر قراءة

z