الاستثمار الوقفي.. رافدٌ للتنمية الاقتصادية

 

محمد أنور اللواتي**

mohdlawati@gmail.com

يُعدّ الوقف أحد أعظم الابتكارات التي ازدهرت في الحضارة الإسلامية؛ وهو نظام فريد يجمع بين البُعد التعبُّدي والبُعد التنموي في آنٍ واحد؛ فالوقف ليس مجرد أداة للعطاء، بل مؤسسة اقتصادية واستثمارية وتنموية قادرة على أن تصبح أحد محركات التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين.

الوقف لغةً معناه الحبس والمنع، وعرفه الفقهاء بأنه حبس الأصل وتسبيل المنفعة؛ أي تجميد العين الموقوفة عن التملّك والبيع والهبة والميراث، وصرف عوائدها ومنافعها في وجوه الخير التي عيّنها الواقف. وبذلك يبقى أصل المال محفوظًا، بينما تتجدّد منافعه وتتدفّق على المستفيدين جيلًا بعد جيل. والوقف أحد أبرز أشكال الصدقة الجارية، امتثالًا لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

ورغم أن فكرة حبس المال للمصلحة العامة عُرفت في حضارات سابقة للإسلام، فإن الحضارة الإسلامية نقلت مفهوم الوقف إلى مستوى جديد من التنظيم والاستدامة؛ أسهم في تمويل التعليم والرعاية الصحية والبنية الأساسية والرعاية الاجتماعية لقرون طويلة. ومسجد قباء هو أول مسجد بُني في الإسلام، حيث أوقفه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). ثم توسعت التجربة الوقفية عبر التاريخ الإسلامي؛ ففي الدولة العثمانية مثّلت الأوقاف جزءًا مهمًا من النشاط الاقتصادي، وأسهمت في تمويل التعليم والصحة والبنية الأساسية والخدمات الاجتماعية، وأسهمت في تخفيف العبء المالي عن الدولة. وتعد سكة حديد الحجاز، التي أُنشئت للمساعدة على أداء فريضة الحج، أحد أشهر الأمثلة الوقفية في عهد السلطان عبدالحميد الثاني.

كما يعد الأزهر الشريف مثالًا بارزًا على نجاح الوقف في دعم المؤسسات العلمية؛ فمنذ تأسيسه قبل أكثر من ألف عام اعتمد على أوقافٍ واسعةٍ شملت أراضي زراعية وعقارات تجارية موّلت رواتب العلماء والطلاب، وأنشأت المكتبات ومرافق التعليم، إضافةً إلى دعم الخدمات الاجتماعية ورعاية الفقراء والمحتاجين.

وللوقف في سلطنة عُمان جذورٌ ضاربةٌ في التاريخ، ومن أمثلتها وقف مسجد المضمار الذي أوقفه مازن بن غضوبة، ووقف الإمام الوارث بن كعب، وهو قائم حتى اليوم. كما تميزت التجربة العُمانية بتنوع الوقف، مثل وقف الأفلاج، حيث خُصصت حصص من المياه أوقافًا للمساجد والأعمال الخيرية، إلى جانب أوقاف النخيل والمزارع والعقارات التي شكّلت ركائز مهمة للتكافل الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.

واليوم يشهد القطاع الوقفي نهضةً عالميةً متجددة؛ إذ أدرك كثيرٌ من الدول والمنظمات ما يمثّله الوقف من رافدٍ للتنمية المستدامة وتمويلٍ للعمل الاجتماعي. ولا يكفي حبس العين الموقوفة لتحقيق مقصد الواقف؛ بل لا بُدّ من استثمارها وتنميتها لضمان ديمومة الريع وتعاظمه، فنشأ مفهوم الاستثمار الوقفي، الذي يقوم على توظيف الأصول والأموال الوقفية في استثمارات مدروسة تحقق نموًا مستدامًا للأصل وعائدًا متزايدًا للمنفعة، مع المحافظة على مقاصد الوقف وشروط الواقف. ويمكن لذلك الإسهام في التنمية الاقتصادية الشاملة عبر تحريك رؤوس الأموال الوقفية في السوق، وخلق فرص العمل، ودعم المشروعات. وتشير بعض التقديرات إلى أن قيمة الأصول الوقفية في العالم الإسلامي تتجاوز مئات المليارات من الدولارات، إلا أن جزءًا كبيرًا منها لا يزال غير مستثمر بالكفاءة المطلوبة، مما يفتح آفاقًا واسعةً لاستثمار الوقف وتحويله إلى محرك اقتصادي واجتماعي أكثر فاعلية.

وهناك أمثلة لجهات كثيرة في العالم الإسلامي المعاصر لاستثمار الوقف، مثل الهيئة العامة للأوقاف في السعودية، التي أنشأت ذراعًا استثماريةً متخصصةً هي "شركة أوقاف للاستثمار". وتقدم الشركة حلولًا استثمارية تسهم في تحسين عوائد الأوقاف، وتفصل الجهاز الاستثماري لرفع الحوكمة وتحسين الأداء الاستثماري للوقف.

وتُعدّ العتبة الرضوية في إيران من أكبر المؤسسات الوقفية في العالم الإسلامي؛ إذ تدير محفظة واسعةً من الأوقاف تشمل أراضي زراعية وعقارات وشركات صناعية وخدمية ضخمة، وتموّل بعوائدها مرافق دينيةً وتعليميةً وصحيةً وخدميةً تخدم ملايين الزوّار سنويًا، في نموذجٍ يجمع بين الإرث الديني والإدارة الاقتصادية الحديثة. فيما تبرز تجارب مثل التجربة الماليزية والإندونيسية في مجال الوقف النقدي؛ إذ أنشأت كلٌّ منهما صناديق وقفية استثمارية، وأصدرت صكوكًا وقفية لتمويل مشاريع تنموية متنوعة. وقد أتاح هذا النهج تحويل الوقف من أصولٍ جامدة إلى أدواتٍ ماليةٍ متحركة، تجذب شرائح واسعة من المجتمع، وتُعظّم عوائده الاستثمارية.

لا يقتصر مفهوم الوقف على العالم الإسلامي، بل هو فكرةٌ إنسانيةٌ عابرةٌ للثقافات. وتعرف الحضارة الغربية صورةً مماثلةً، فتُعدّ أوقاف الجامعات الأمريكية العريقة أبرز تطبيق لهذا النموذج. فوقف جامعة هارفارد -الذي بلغت قيمته نحو 69 مليار دولار حتى نهاية عام 2025م- هو أكبر وقفٍ أكاديميٍّ في العالم. ولا ريب أنّ المؤسسات الوقفية الإسلامية يمكنها الاستفادة من النضج الإداري والاستثماري الذي بلغته أوقاف الجامعات الغربية في مجالات الحوكمة، وإدارة المحافظ، والشفافية، مع الالتزام بالضوابط الشرعية في توظيف الأصول. وتؤكد هذه التجارب أن الوقف قادر على إدارة محافظ استثمارية ضخمة، وتحقيق التوازن بين الأهداف الدينية والاجتماعية والتنموية من جهة، والعوائد الاقتصادية من جهة أخرى.

التطورات الاقتصادية الحديثة دفعت المؤسسات الوقفية إلى تبني الحوكمة، وإدارة المخاطر، والتنويع، والشفافية في إدارة استثماراتها الوقفية. ولم يعد الاستثمار الوقفي مقتصرًا على العقارات والأراضي الزراعية، بل أصبح يشمل الأسهم والصكوك وصناديق الاستثمار، والأسهم الخاصة، ورأس المال الجريء، والبنية الأساسية، بما يحقق التوازن بين المحافظة على رأس المال وتعظيم العائد طويل الأجل.

ومن أبرز التطورات المعاصرة ظهور الوقف المالي أو الوقف النقدي، الذي يقوم على وقف الأموال بدلًا من غيرها من الأصول. وقد أجاز عدد من الفقهاء هذا النوع من الوقف، وأقره مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته المنعقدة بمسقط عام 2004. ويكتسب الوقف النقدي أهميةً متزايدةً في العصر الحديث لمرونته وسهولة المشاركة فيه؛ إذ يتيح لكل فردٍ -مهما صغر المبلغ الذي يملكه- أن يكون واقفًا، فتتجمّع المبالغ الصغيرة في صناديق وقفية كبرى تُستثمر بكفاءة وفق سياسات استثمارية واضحة وآليات متقدمة لإدارة المخاطر، بينما تُوجَّه العوائد إلى الأغراض الوقفية المحددة. وبذلك تتحوّل مؤسسة الوقف من حكرٍ على أصحاب الثروات إلى عملٍ جماعيٍّ تشاركيٍّ تسهم فيه أعداد كبيرة من الناس من مختلف درجات السلم الاجتماعي.

ورغم الفرص الواعدة، يواجه استثمار الأوقاف جملةً من التحديات التي تحدّ من فاعليته، أبرزها: ضعف الكوادر المتخصّصة في إدارة الاستثمار الوقفي، وقصور بعض الأطر القانونية والتنظيمية عن مواكبة الأدوات المالية المعاصرة، ووجود أصولٍ وقفيةٍ ضخمةٍ معطّلةٍ أو غير موثقة، وصعوبة الموازنة بين الحفاظ على شرط الواقف ومتطلبات الاستثمار الحديث، إضافةً إلى ضعف ثقافة الحوكمة والشفافية في بعض المؤسسات الوقفية الاستثمارية. وتتطلّب معالجة هذه التحديات تضافر الجهود في التشريع والتأهيل.

وشهدت سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بتطوير القطاع الوقفي، تجلّى في تحديث الأطر التنظيمية، وتعزيز الحوكمة، وتشجيع الاستثمار الوقفي، وإنشاء المؤسسة العُمانية الوقفية. والسلطنة، بتراثها الوقفي العريق وإطارها المؤسسي الحديث، تمتلك من المقومات ما يؤهلها لأن تكون نموذجًا وقفيًا استثماريًا رائدًا على مستوى المنطقة. ولن يتحقق ذلك إلا بالحوكمة الرشيدة للأصول الوقفية، والاستثمار الكفء المدعوم بتنويع الأدوات الاستثمارية، والإطار القانوني المرن، والوعي المجتمعي بأهمية الوقف رافدًا للتنمية، لتستعيد مؤسسات الوقف مكانتها، ويغدو العمل الوقفي الاستثماري ركيزةً أصيلةً في التنمية الاقتصادية.

** كاتب في المجال الاقتصادي والاستثماري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z