منظومة إجادة لقياس الأداء الفردي.. بين التحفيز والإحباط (1- 2)

 

 

 

سعيد بن محمد الجحفلي

 

التنقيب عن المعادن الثمينة يقوم به المهندسون الأكفاء، الذين يكسبون الأموال والثروات الطائلة من تلك المهنة، ولكنها ثروات غير مستدامة، بينما البحث والتمكين للكفاءات البشرية المؤهلة واستقطابها يقوم به رجال الدولة المخلصون، لتوطين الخبرات وتحقيق النماء المستدام، فهناك دول غنية ومتقدمة، ولا تملك من الموارد والثروات إلا العنصر البشري المؤهل ونظام محاربة الفساد، بينما بلدان تعاني الجوع والمرض والتخلف، والفلاح فيها حين يجني محصوله من البطاطا والبصل تتبعثر قطع الذهب الخالص بين يديه أثناء تقليب التربة، وهناك دول عائمة على بحيرات من النفط والغاز، وخدمات الكهرباء مقطوعة أو شبه معدومة.

فلا تسأل عن الثروات وأنواعها، وإنما اسأل: من يديرها؟!

يقول الدكتور عبد الكريم بكار: "إن الاستثمار في الإنسان هو أقصر الطرق للوصول إلى الثروة والنماء". ويقول ليس براون، أحد رواد التحفيز الوظيفي: "المقبرة هي أغنى مكان على وجه الأرض؛ لأنها تضم كنوزًا من الأفكار التي لم تُستغل، وكتبًا لم تُكتب، وإبداعات لم ترَ النور، فيموت الكثير من الأشخاص وهم يحملون أفكارًا عظيمة ومشاريع استثنائية لخدمة البشرية لم يتعرف عليها أحد". بعد هذه المؤكدات على أهمية العنصر البشري، الذي يعتبر ثروة ورأس مال متجددًا لا ينضب، نعود إلى ما بدأنا به؛ حيث تعني الإجادة الإتقان والحذق، وهي مصدر الفعل "أجاد"، أي: أتقن، وقد ارتبط هذا المفهوم بجودة المنتج النهائي لأي عمل، فالموظف الذي يتميز في عمله، يطلق عليه موظفًا مُجيدًا.

لقد تم اعتماد منظومة إجادة لقياس الأداء الفردي في السلطنة عام 2022م، لتعظيم الشفافية والنزاهة والحياد، ولتعالج قصور البرامج التقليدية في تقييم الأداء السنوي لموظفي القطاع العام للدولة. وبعد تطبيق برنامج المنظومة، يرى عدد كبير من الموظفين أن نتائجها تُحبطهم كل عام! وهذا يدل على أن البرنامج يكتنفه بعض السلبيات والقصور أثناء التطبيق العملي، فعلى سبيل المثال، يظهر التقييم المبدئي، مثلًا، للموظف "يفوق التوقعات" في خانات التقييم، ولكن النتيجة الأخيرة قد تُفاجئه وتحبطه، وهذا يشكل تحديًا صعبًا أمام المسؤول المباشر في كيفية إقناع مرؤوسيه بنتائج تقييمهم السنوي، وهل فعلًا يستحقون تلك النتائج أم لا؟! لا سيما إذا كانت أقل من جيد جدًا؛ لأن مؤيدات التنافس غير واضحة، خاصةً إذا لم يكن هناك رصدٌ للإنجازات الفعلية بطريقة محايدة لكل موظف، بالإضافة إلى أن المنظومة لا يمكن أن ترصد كل الأعمال اليومية للموظفين لتدخل في عملية التقييم.

لذلك تكون نتيجة التقييم عادةً تقتصر على المشاريع والأهداف التشغيلية بشكل عام، بالإضافة إلى عدد البرامج التدريبية الإلكترونية المطلوبة من كل موظف أن يتجاوزها، وهذه الأعمال قد تكون قليلة مقارنةً بالأنشطة الرئيسة التي يقوم بها الموظف كل يوم على مدار العام، ولا يوجد لها خانات للرصد والتقييم في المنظومة، عندئذ تظهر موجة من الإحباطات لدى معظم الموظفين بعد إعلان النتائج النهائية للإجادة، ويتجدد ذلك الشعور لدى تلك الفئات سنويًا، وهذا بلا شك سيخلق إحباطًا مزمنًا على المدى الطويل لدى شريحة كبيرة من موظفي القطاع العام ممن تشملهم المنظومة، بالإضافة إلى أن المسؤول المباشر دائمًا ما يشعر بالعجز والإحراج أمام مرؤوسيه الذين يستحقون مكافآت سنوية حسب أدائهم المميز، ولا يسعفه المجال لذلك، نظرًا لمحدودية العدد المتاح له من المكافآت في القسم الذي يرأسه، وبذلك يخسر حماس وولاء عدد من الموظفين المجيدين لديه، مع العلم أن الدولة تصرف مبالغ كبيرة كل عام على برامج التنمية البشرية المُحفِّزة لاستثمار العائد التدريبي في بيئة العمل، ولكن الأثر السلبي الذي تحدثه نتائج التقييم السنوي للإجادة الفردية يقلل من العائد التدريبي المُحفِّز لتلك البرامج.

وبناءً عليه.. فإن الإجراء العلمي السليم أن تتم مراجعة المنظومة من خلال استبيان تنفذه جهة محايدة، وأُركز على حيادية الجهة! التي تنفذ الاستبيان وتحلل نتائجه بطرق علمية، لاتخاذ إجراءات تصحيحية لتعديل مسار عمل المنظومة، بحيث لا يترك مجالًا للشك في نتائجها، فهناك اعتقاد بدأ يتشكل لدى عدد كبير من الموظفين بأن نتائج التقييم تعتمد على رأي المسؤول المباشر أكثر من اعتمادها على الأداء الفعلي، وهذا اعتقاد أراهُ خاطئًا لا يمكن الاعتماد عليه؛ لأن المنظومة أساسًا تم إعدادُها لتواكب أنظمة الحكومة الإلكترونية الحديثة، ولتكون أكثر موضوعية وعدالة، ولكن هذا لا يعني أن كل البرامج الإلكترونية تكون خالية من العيوب أو القصور أثناء التطبيق الفعلي.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z