هيبة الترجمة.. من يملك سلطة المعنى؟

 

 

 

د. شيرين النوساني

في مقالي السابق، تحدثتُ عن هيبة الترجمة في زمن التشوه المعرفي، وعن الخلط بين من ينقل الكلمات ومن يترجم المعاني. واليوم، أود أن أدخل إلى قلب إشكال آخر لا يقل أهمية، يتعلق بموقع المترجم نفسه بين الأمانة والإبداع، وما يترتب على ذلك من سؤال أعمق: من يملك سلطة المعنى؟

يصر كثيرون على أن الترجمة أمانة، وأن المترجم الأمين هو من لا يزيد ولا ينقص، بل ينقل النص كما هو. غير أن هذه النظرة، على ما يبدو فيها من بساطة، تخفي قدرًا من الوهم؛ إذ لا وجود لنقل مطابق تمامًا، لأن النص ليس كيانًا جامدًا منفصلًا عن لغته وثقافته وسياقه، بل هو بناء حي تتداخل فيه الدلالة والإيحاء والإحالة والتاريخ. وما ينقله المترجم في النهاية ليس النص في صورته المطلقة، بل فهمه له واجتهاده في إعادة بنائه داخل لغة أخرى.

ومن هنا، فإن الأمانة في الترجمة لا تعني التطابق الحرفي، بل تعني الإخلاص لروح النص ووظيفته ومقاصده، مع الاعتراف بأن كل ترجمة هي، في جانب منها، فعل تأويل. والمترجم الأمين ليس من يدعي امتلاك الحقيقة الكاملة للنص، بل من يدرك حدود تدخله، ويعي أن عمله يظل اجتهادًا قابلًا للمراجعة.

وفي النصوص الأدبية والفكرية، على وجه الخصوص، يضطر المترجم أحيانًا إلى ممارسة قدر من التصرف الإبداعي الذي يتيح للنص أن يحتفظ بحيويته وأثره في اللغة الجديدة. فالمجاز لا يُختزل في ألفاظه، والسخرية لا تُنقل كلمة بكلمة، والإيقاع الداخلي للجملة لا يخضع دائمًا لقواعد التطابق الظاهري. وليس المقصود بذلك منح المترجم حرية مطلقة، بل الاعتراف بأن الوفاء الحقيقي للنص قد يقتضي أحيانًا الابتعاد عن صورته الحرفية حفاظًا على روحه ووظيفته.

غير أن هذا التصرف المشروع يختلف جذريًا عن التحريف. فالوفاء المبدع يُنتج نصًا يحافظ على روح الأصل، وإن تغيرت بعض مظاهره، أما التحريف فينتج نصًا يخون مقاصد الأصل، وإن حافظ على كثير من ألفاظه. وحين يغيِّر المترجم إشارة تاريخية، أو يلطِّف موقفًا صادمًا، أو يحذف ما لا ينسجم مع ذوق السوق أو قناعات الناشر، أو يضيف إلى النص ما ليس فيه، فإنه لا يمارس إبداعًا، بل يتجاوز حدود الأمانة إلى العبث بالمعنى.

وهنا يبرز السؤال الأكثر تعقيدًا: من يملك سلطة المعنى؟ هل تعود هذه السلطة إلى الكاتب الذي أنشأ النص في سياقه الأصلي؟ أم إلى المترجم الذي يعيد إنتاجه في سياق جديد؟ أم إلى القارئ الذي يستقبله ويمنحه تأويلاته الخاصة؟

ولعل الإجابة لا تكمن في إسناد السلطة إلى طرف واحد، بل في الاعتراف بأنها سلطة موزعة. غير أن المترجم يتحمل عبئًا أخلاقيًا خاصًا، لأنه يقف في منطقة وسطى بين عالمين، ويضطلع بمهمة لا تقتصر على نقل الكلمات، بل تمتد إلى إعادة إنتاج المعنى بما يحفظ للنص هويته وللقارئ حقه في الفهم.

ولهذا، فالمترجم ليس ناقلًا سلبيًا، بل مؤول للنص، ثم مؤول للمؤولين. وهو مطالب بأن يحترم الكاتب دون أن يتحول إلى ناسخ حرفي، وأن يحترم القارئ دون أن يستسلم تمامًا لأفق توقعاته، وأن يحترم نفسه بوصفه مسؤولًا عن إنتاج معرفة، لا عن إعادة تدوير الكلمات.

فالترجمة ليست خيانة، وليست أمانة مطلقة. إنها ممارسة معقدة تجمع بين الوفاء والإبداع، بين الحرفي والروحي، وبين الصدق والتصرف المسؤول. والمترجم الحقيقي هو من يدرك أن وظيفته لا تنحصر في الوساطة اللغوية، بل تمتد إلى مسؤولية معرفية وأخلاقية أمام الكاتب والقارئ والتاريخ.

ومن هنا، فإن الدفاع عن هيبة الترجمة ليس دفاعًا عن حق المترجم في الاجتهاد فحسب، بل هو دفاع عن حق القارئ في الوصول إلى نص صادق، وعن حق الكاتب في أن يُفهم كما أراد، لا كما شاءت له العجلة، أو السوق، أو الضمائر غير اللوَّامة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z